
المعركة الحقيقية ليست مع الدولار
المستشار محمد عباس
*في كل مرة يرتفع فيها سعر الدولار، تتجه الأنظار نحو سوق العملات الأجنبية، وتبدأ التساؤلات حول كيفية السيطرة على سعر الصرف وإستقرار الجنيه السوداني. ورغم أهمية هذه المعركة، إلا أن الحقيقة التي يجب أن ندركها جميعاً هي أن المعركة الحقيقية ليست مع الدولار نفسه، وإنما مع الأسباب التي تجعلنا بحاجة إليه أكثر مما ننتج ونصدر.
*إن قوة العملات لا تُبنى في أسواق الصرافة، وإنما تُبنى في الحقول والمصانع ومواقع الإنتاج. فالدول التي تمتلك إقتصادات قوية لم تحقق ذلك عبر مطاردة الدولار، بل عبر زيادة صادراتها وإضافة القيمة إلى مواردها الطبيعية وتحويلها إلى منتجات مطلوبة في الأسواق العالمية.
*السودان من أغنى دول العالم بالموارد الطبيعية.. لدينا الذهب، والصمغ العربي، والثروة الحيوانية، والأراضي الزراعية الشاسعة، والمياه، والمعادن المتنوعة. ومع ذلك، ما زلنا نصدر جزءاً كبيراً من هذه الثروات في صورتها الخام، بينما تذهب القيمة الحقيقية والعوائد الأكبر إلى دول أخرى تقوم بالتصنيع والتطوير والتسويق.
*خذوا الصمغ العربي مثالاً فهو منتج إستراتيجي يدخل في الصناعات الغذائية والدوائية ومستحضرات التجميل حول العالم.. ولو تم توجيه الإستثمارات نحو تصنيعه وتحويله إلى منتجات نهائية أو شبه نهائية، لتضاعفت عائداته عدة مرات، ولأصبح مصدراً مهماً للنقد الأجنبي.
*والأمر نفسه ينطبق على الذهب. فبدلاً من تصدير الذهب الخام أو فقدان جزء منه عبر التهريب، يجب أن تتجه الدولة نحو تعزيز التكرير والتصنيع وإنشاء سلاسل قيمة متكاملة تحقق أقصى إستفادة من هذه الثروة الوطنية.
*كما أن الثروة الحيوانية والزراعة تمثلان فرصة تاريخية للسودان، ليس فقط لتصدير المواد الأولية، بل لتصدير اللحوم والمنتجات الغذائية المصنعة والزيوت ومشتقاتها، بما يحقق قيمة إقتصادية أكبر وعوائد مستدامة.
*إن إستقرار الجنيه السوداني لن يتحقق فقط عبر القرارات المصرفية أو الإجراءات الرقابية، وإنما عبر إقتصاد منتج قادر على توفير العملات الأجنبية من مصادر حقيقية ومستدامة. وكلما زادت صادراتنا ذات القيمة المضافة و إنخفضت الضغوط على سوق النقد الأجنبي، وتعززت قوة العملة الوطنية.
*لذلك فإن معركتنا ليست مع الدولار، بل مع التهريب، وضعف الإنتاج، وتصدير المواد الخام، والإعتماد المفرط على الواردات.. ومعركتنا الحقيقية هي مع تحويل موارد السودان إلى قوة إقتصادية قادرة على خلق الوظائف وتحقيق الإستقرار ورفع مستوى معيشة المواطنين.
*السودان لا يحتاج إلى إكتشاف ثروات جديدة، بل يحتاج إلى إدارة أفضل لثرواته الحالية. وعندما ننجح في ذلك، لن يكون الدولار هو من يحدد مصير إقتصادنا، بل سيكون الإنتاج والعمل والإبداع السوداني هو من يرسم المستقبل.
*خليكم رسل سلام..وابنوا الوعي بأن نهضة السودان تبدأ من الإنتاج، وأن قوة الجنيه تبدأ من قوة الإقتصاد.