آخر الأخبار

لماذا أصبح تدخل الحكومة ضرورة لحماية المواطن والاقتصاد؟

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*لم يعد الحديث عن تدخل الدولة في الاقتصاد ترفًا فكريًا، ولا مجرد شعار أيديولوجي يُرفع في المنابر السياسية، بل أصبح ضرورة فرضتها الوقائع القاسية التي يعيشها المواطن السوداني يوميًا في ظل انفلات الأسواق، وارتفاع الأسعار، وتدهور العملة الوطنية، وتآكل القدرة الشرائية، إلى جانب انهيار قطاعات الإنتاج والخدمات.

 

*فالتجربة خلال السنوات الماضية أثبتت أن سياسة السوق المفتوح، عندما تُترك بلا ضوابط أو رقابة أو حماية اجتماعية، تتحول من أداة لتحفيز الاقتصاد إلى وسيلة قاسية تُحمَّل عبرها الأعباء كاملة للمواطن البسيط. وهكذا أصبح الناس يدفعون ثمن كل شيء: الوقود، والخبز، والدواء، والكهرباء، والتعليم، والعلاج، في وقت تراجعت فيه قدرة الدولة على التدخل لحمايتهم أو تخفيف آثار الأزمة عنهم.

 

*ومن حيث المبدأ، تقوم فكرة الاقتصاد الحر على تشجيع المنافسة، وتحسين الجودة، وخفض الأسعار، غير أن هذه الأهداف لا تتحقق إلا في بيئة مستقرة تمتلك مؤسسات قوية، وأجهزة رقابية فعالة، وقضاءً مستقلًا، وشبكات حماية اجتماعية متماسكة.. أما في الدول التي تعاني من الحروب والأزمات وضعف البنية المؤسسية، فإن التحرير الاقتصادي غير المنضبط يتحول غالبًا إلى فوضى اقتصادية يستفيد منها كبار المضاربين وأصحاب الاحتكارات، بينما يتحمل المواطن العادي فاتورة الانهيار كاملة.

*وفي السودان، لم تؤدِّ السياسات الاقتصادية المفتوحة إلى بناء اقتصاد قوي كما كان مأمولًا، بل قادت في كثير من الأحيان إلى اتساع دائرة الفقر، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة الجنيه السوداني بصورة متسارعة، حتى أصبح المواطن عاجزًا عن توفير أبسط احتياجاته الأساسية.

*ومع مرور الوقت، تُركت الأسواق نهبًا للمضاربات، وأصبح سعر الدولار يحدد مصير حياة الملايين، بينما بدت الحكومة في أحيان كثيرة وكأنها مجرد متفرج على حركة الاقتصاد، في وقت تتآكل فيه دخول الناس يومًا بعد يوم.

*ومن هنا تبرز ضرورة تدخل الدولة، لا باعتباره عودة إلى النظم المغلقة التي أثبتت فشلها، ولا بوصفه سيطرة كاملة على الاقتصاد، وإنما باعتباره مسؤولية وطنية وأخلاقية تجاه المواطن والمجتمع.

*فالدولة ليست مجرد جهاز إداري يجمع الضرائب والرسوم، بل هي الجهة التي يُفترض أن تحمي المجتمع من الجشع والاحتكار والانهيار الاقتصادي. وعندما تعجز الأسواق عن تحقيق الحد الأدنى من العدالة، يصبح تدخل الحكومة واجبًا لا خيارًا.

*غير أن التدخل المطلوب اليوم يجب أن يكون تدخلًا ذكيًا ومتوازنًا، يركز على حماية السلع الإستراتيجية والخدمات الأساسية، وضبط الأسواق، ومحاربة الاحتكار، وتنظيم الاستيراد، ومنع المضاربات في العملات والسلع، إلى جانب دعم الإنتاج الوطني الحقيقي، لا الطفيليات الاقتصادية التي تعيش على الأزمات وتستفيد من الفوضى.

*كما أن حماية المواطن لا تعني فقط تخفيض الأسعار، بل تعني أيضًا توفير الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية: دواء متوفر، وخبز في متناول اليد، وكهرباء مستقرة، وتعليم وعلاج يمكن الوصول إليهما دون إذلال أو معاناة.

*ولعل التجارب العالمية تؤكد هذه الحقيقة؛ فحتى الدول الرأسمالية الكبرى، التي طالما بشّرت بحرية السوق، لم تتردد في التدخل المباشر خلال الأزمات المالية والاقتصادية، وضخت مليارات الدولارات لإنقاذ البنوك والشركات ودعم المواطنين حين شعرت بأن الأسواق وحدها عاجزة عن حماية المجتمع.

*فكيف يُطلب من دولة مثل السودان، المثقل بالحرب والأزمات والانهيار المؤسسي، أن يترك المواطن وحده في مواجهة السوق بلا حماية؟.

*إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الاقتصاد إلى ساحة مفتوحة بلا ضوابط، ينتصر فيها الأقوى ماليًا، بينما يُترك الضعفاء لمصيرهم. فالدولة التي لا تحمي مواطنيها اقتصاديًا تفتح الباب أمام الانفجار الاجتماعي، وتآكل الثقة العامة، واتساع دائرة الغضب والإحباط.

*ولهذا، فإن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يتحقق بالشعارات، وإنما ببناء معادلة متوازنة تجمع بين حرية السوق والعدالة الاجتماعية، وبين تشجيع الاستثمار وحماية الفقراء، وبين تحرير الاقتصاد والحفاظ على كرامة الإنسان.

*فالمطلوب اليوم ليس اقتصادًا مغلقًا يخنق المبادرات، ولا سوقًا منفلتًا يسحق المواطن، بل دولة قوية وعادلة، تتدخل حين يجب التدخل، وتحمي الناس حين يصبحون عاجزين عن حماية أنفسهم.

*لقد بلغ المواطن السوداني مرحلة لم يعد يحتمل فيها المزيد من التجارب الاقتصادية القاسية، ولم يعد قادرًا على دفع فاتورة السياسات المفتوحة التي أرهقته وأضعفت الدولة نفسها.

*وحين يهزم الغلاء الناس، ويتراجع الإنتاج، وتضطرب الأسواق، يصبح تدخل الحكومة ليس مجرد خيار اقتصادي، بل واجبًا وطنيًا لحماية ما تبقى من المجتمع والدولة معًا.