آخر الأخبار

دعوة لإحياء الدستور واستكمال مؤسسات العدالة

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*في خضم الحرب التي تعصف بالسودان، والتحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تواجه الدولة، تبرز قضية الإصلاح القانوني وإعادة بناء مؤسسات العدالة باعتبارها واحدة من أهم القضايا الوطنية التي لا تحتمل التأجيل.. فالدول لا تُحكم بالقوة وحدها، ولا تستقر بالشعارات السياسية وحدها، وإنما تستقيم أمورها بسيادة حكم القانون، واستقلال القضاء، ووضوح المرجعيات الدستورية التي تنظم العلاقة بين مؤسسات الحكم والمواطنين.

*لقد شهد السودان منذ عام 2019 تحولات سياسية كبيرة صاحبتها تعديلات متكررة على الوثيقة الدستورية، وتغيرات مستمرة في هياكل الدولة ومؤسساتها العدلية والقانونية.. ومع تعاقب الأزمات والانقسامات السياسية، أصبحت الحاجة ملحة إلى مراجعة شاملة للتجربة القانونية والدستورية خلال السنوات الماضية، والبحث عن أرضية دستورية مستقرة يمكن أن تشكل أساساً لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس راسخة.

*ومن هنا يبرز الحديث عن أهمية العودة إلى دستور السودان الانتقالي لسنة 2005 باعتباره الوثيقة الدستورية الأكثر اكتمالاً من حيث البناء المؤسسي وتحديد السلطات والاختصاصات، مع إجراء التعديلات اللازمة التي تستجيب للمتغيرات الوطنية وتراعي متطلبات المرحلة الحالية.. فالغاية ليست العودة إلى الماضي بقدر ما هي الاستفادة من تجربة دستورية متماسكة أثبتت قدرتها على تنظيم مؤسسات الدولة وتحديد أدوارها بصورة واضحة.

*إن أي مشروع وطني لإعادة بناء السودان لا يمكن أن ينجح دون وجود مرجعية دستورية مستقرة تحظى بالاحترام والالتزام.. فالدستور ليس مجرد نصوص قانونية، وإنما هو العقد الاجتماعي الذي ينظم حياة الأمة ويحدد صلاحيات الحكام وحقوق المواطنين ويضع الضمانات الكفيلة بحماية الدولة من الفوضى والتغول على المؤسسات.

*ومن أهم القضايا التي تستدعي المعالجة العاجلة استكمال هياكل المحكمة الدستورية، وهي المؤسسة التي تمثل الحارس الأمين للدستور والضامن لعدم تجاوز السلطات لاختصاصاتها.. فالمحكمة الدستورية ليست مؤسسة شكلية يمكن الاستغناء عنها أو تأجيل قيامها، بل هي صمام الأمان الذي يحفظ توازن الدولة ويصون الحقوق والحريات ويبت في النزاعات الدستورية التي قد تنشأ بين أجهزة الحكم المختلفة.

*ولا يكفي تعيين رئيس للمحكمة الدستورية دون استكمال بقية أعضائها وهياكلها الفنية والإدارية، لأن المحكمة لا تمارس دورها من خلال شخص واحد مهما بلغت كفاءته، وإنما من خلال مؤسسة متكاملة تمتلك الصلاحيات والاختصاصات والكوادر اللازمة لأداء واجبها الدستوري. إن غياب المحكمة الدستورية الفاعلة يترك فراغاً خطيراً في بنية الدولة القانونية ويضعف الرقابة على دستورية القوانين والقرارات والإجراءات.

*وفي الوقت ذاته تبرز أهمية إعادة تفعيل مجلس العدل باعتباره أحد أهم المؤسسات المعنية برسم السياسات العدلية والقانونية للدولة.. فالمجلس يمثل منصة وطنية مهمة للتنسيق بين مختلف المؤسسات العدلية والقانونية، ومتابعة قضايا الإصلاح القضائي، ومعالجة التحديات التي تواجه أجهزة العدالة، ووضع الخطط الكفيلة بتطوير الأداء القانوني في البلاد.

*وتزداد أهمية انعقاد مجلس العدل في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها السودان، حيث تحتاج الدولة إلى مراجعة شاملة للتشريعات والقوانين، وإعادة تقييم أوضاع المؤسسات العدلية، وسد النقص في الهياكل القانونية، ووضع رؤية متكاملة للإصلاح القضائي تتناسب مع متطلبات مرحلة إعادة الإعمار وبناء الدولة بعد الحرب.

 

*إن القضاء السوداني ظل عبر تاريخه الطويل واحداً من أهم مؤسسات الدولة الوطنية وأكثرها احتراماً ومهنية، وقد قدم القضاة السودانيون نماذج مشرفة في النزاهة والاستقلال والكفاءة القانونية.. غير أن الظروف التي مرت بها البلاد خلال السنوات الأخيرة ألقت بأعباء كبيرة على المؤسسة القضائية وأثرت على قدرتها في أداء رسالتها بالصورة المطلوبة.

*ومن الواجب الوطني اليوم توفير كل أسباب الدعم والإسناد للقضاة، وتحسين بيئة العمل القضائي، وتمكين السلطة القضائية من أداء دورها باستقلال كامل بعيداً عن الضغوط والتجاذبات السياسية. فاستقلال القضاء ليس مطلباً لفئة معينة، وإنما هو ضمانة لكل مواطن، وحصن للدولة نفسها من الانهيار والتفكك.

*كما أن العدالة الانتقالية المنشودة لن تتحقق عبر الخطابات السياسية أو الشعارات الإعلامية، وإنما عبر مؤسسات قضائية قوية ومستقلة وقادرة على النظر في المظالم والانتهاكات وفقاً للقانون والإجراءات السليمة. فالقضاء العادل هو الطريق الأقصر نحو المصالحة الوطنية والاستقرار السياسي وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

*إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع إصلاح قانوني شامل يعيد الاعتبار للدستور والقضاء وسيادة القانون، ويؤسس لمرحلة جديدة تكون فيها المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقانون أعلى من المصالح السياسية الضيقة.. كما أن استكمال المحكمة الدستورية، وتفعيل مجلس العدل، ودعم السلطة القضائية، ومراجعة المنظومة التشريعية، تمثل خطوات ضرورية لا غنى عنها في طريق استعادة الدولة لعافيتها.

*إن المسؤولية الوطنية تقتضي من القيادة السياسية، وعلى رأسها رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أن تجعل الإصلاح القانوني والعدلي ضمن أولويات المرحلة المقبلة، لأن قوة الدولة لا تقاس بعدد الجيوش أو حجم الموارد فقط، وإنما تقاس أيضاً بمدى احترام القانون واستقلال القضاء وكفاءة المؤسسات العدلية.

 

*فحين يكون القضاء قوياً ومستقلاً، يكون الوطن أكثر أمناً واستقراراً، وحين تسود العدالة يطمئن المواطن على حقوقه، وحين تُحترم المؤسسات الدستورية تترسخ هيبة الدولة. ولذلك فإن الطريق إلى سودان المستقبل يبدأ من بوابة العدالة، ويعبر عبر إصلاح القوانين واستكمال المؤسسات الدستورية، حتى يبقى القانون هو المرجعية العليا التي يحتكم إليها الجميع، وتبقى العدالة هي الأساس الذي تقوم عليه الدولة السودانية الحديثة.