تراجع سعر صرف الجنيه.. أزمة مستفحلة وحلول غائبة
تقرير-الطيب عباس:
فقد الجنيه السوداني نحو 50% من قيمته خلال أخر ثلاثة أسابيع في انهيار متسارع لأول مرة في تاريخ السودان، وسط صمت حكومي مريب، حيث سجل أمس الأربعاء نحو 4620 مقابل الدولار الأمريكي وأكثر من 118 مقابل الجنيه المصري، في وقت بلغت فيه الأسعار بالسودان، ارتفاعا غير مسبوق، وأوقفت العديد من المحلات التجارية بسوق السجانة بالخرطوم وأسواق أخرى بالولايات، عمليات البيع والشراء في ظل التٱكل المتسارع للجنيه عند رأس كل ساعة.
في ظل هذا الوضع الملتبس، كان الصمت الحكومي مربكا وظل الجميع ينتظر ماذا تقول وزارة المالية ومحافظ بنك السودان، وما الخطوة التي تقوم بها من أجل إيقاف انهيار العملة الوطنية، في عشم أخير ظل ينتظره السودانيين.
أخيرا يوم الثلاثاء، اجتمع فريق العمل المكلف بوضع معالجات عاجلة لتحديات الصادرات والواردات في الخرطوم، برئاسة وزير المالية، جبريل إبراهيم، لبحث الأزمة الاقتصادية وعلى رأسها سعر الصرف، لكن الاجتماع لم يخرج بجديد، بل فإنه لم يطلق حتى بشريات بوقف انهيار الجنيه، وإنما رهن استقرار سعر الصرف بالإصلاح الكلي للاقتصاد والربط بين السياسات النقدية والمالية، وتعزيز الإنتاج الحقيقي.
وفي أول رد على مخرجات اجتماع فريق العمل، اعتبر الخبير الاقتصادي، دكتور عمار سليمان، مخرجات الاجتماع تهربا من المسؤولية، لافتا إلى أن الاجتماع الذي انعقد برئاسة وزير المالية رهن استقرار سعر الصرف بإصلاح كلي للاقتصاد، واعتبرها كلمة حق أريد بها التهرب من المسؤولية، لجهة أن الفريق الاقتصادي الذي اجتمع لمناقشة سعر الصرف، هو الفريق نفسه المعني بإصلاح الاقتصاد، مشيرا إلى أن الاجتماع لم يكن أمينا في تشخيصه للأسباب الحقيقية للأزمة ولا دقيقا في وضع الحلول، حيث تعامل بكسل معرفي وألقى باللائمة على تدهور الاقتصاد الكلي دون أن يسأل أحد في الاجتماع عن الجهة المعنية أصلا بإصلاح كلي للاقتصاد، أليس هو وزير المالية ومحافظ البنك المركزي ووزارات القطاع الاقتصادي، الذين كانوا حضورا في الاجتماع.
وحمل دكتور عمار سياسات وزارة المالية وبنك السودان المركزي، مسؤولية عدم استقرار سعر الصرف، معتبرا أن محافظ البنك المركزي فشلت في الإحاطة بصادر الذهب، الذي كان يمكن أن يوفر عملات حرة لاستيراد السلع الأساسية، بدلا من لجوء الشركات الحكومية للسوق الأسود وخلقها ضغطا على الطلب، ما أدى إلى انهيار العملة الوطنية.
قريبا من ذلك، عزا عضو الغرفة القومية لمستوردي المواد البترولية، أحمد الأصم، انهيار العملة الوطنية، إلى ما أسماه الفجوة بين صادرات الذهب واردات المشتقات البترولية، وأوضح أنه وفقا لبيانات بنك السودان، فإن إجمالي صادرات الذهب من يناير وحتى مارس الماضي بلغت 370 مليون دولار وإجمالي فاتورة استيراد الوقود للفترة نفسها 697 مليون دولار، بفجوة تمويلية تبلغ 326 مليون دولار.
وعلّق الأصم قائلاً: هذه الفجوة شكّلت صدمة حقيقية للسوق؛ فمبلغ 326 مليون دولار يمثل طلبًا إضافيًا ومفاجئاً على النقد الأجنبي لوجود بواخر متوقفة بحاجة إلى تفريغ؛ وهذا هو السبب المباشر للضغط على سعر الصرف.
واعتبر الأصم أن أي تفسير حكومي لأزمة سعر الصرف يصبح غير حقيقيا، حال تجاوز هذه الفجوة، مؤكدا أن السودان لا يعاني من نقص في الموارد، بل من أزمة إدارة وتعبئة لهذه الموارد، واستشهد ببيانات وزارة المعادن التي أكدت أن إنتاج السودان من الذهب في عام 2025 بلغ 70 طنًا، بينما لم يُصدَّر رسميًا عبر بنك السودان سوى 14 طنًا فقط، وتابع الأصم قائلا: الفرق المفقود هو 56 طنًا من الذهب، وبسعر 4,000 دولار للأونصة، فإن قيمة هذه الكمية تتجاوز 7.2 مليار دولار؛ وهو مبلغ كافٍ وحده لتغطية كامل فاتورة استيراد السلع الاستراتيجية من وقود وقمح ودواء لمدة عام كامل.
تكشف الأرقام التي عرضتها الغرفة التجارية أن العلاقة بين الذهب والجنيه السوداني أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.
فكل طن من الذهب يخرج خارج النظام المصرفي يعني فقدان ملايين الدولارات التي كان يمكن أن تدخل احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي، وتستخدم في تمويل الواردات الأساسية، أو تخفيف الضغط على سوق الصرف.
وبالمقابل، فإن كل دولار مفقود يدفع المستوردين إلى السوق الموازية، ويزيد الطلب على العملات الأجنبية، ويرفع تكلفة الاستيراد، ثم تنتقل الزيادة إلى أسعار الوقود والنقل والغذاء والسلع الأساسية، ليتحمل المواطن في النهاية فاتورة هذه الحلقة الاقتصادية.
حتى اللحظة، فإن الحكومة فيما يبدو لا تملك حلولا في المنظور القريب ولا حتى البعيد لحل أزمة سعر الصرف، وفي الغالب وفقا لمراقبين فإن من يتحكمون في السوق سيتركون الجنيه يواصل انهياره ثم يتوقف عند حد يسمح بعده لانهيار جديد، دون أي تدخل أو اهتمام حكومي.