تواطؤ (لندن) مع (أبوظبي)… (صمت الحملان)
أعداد – أصداء سودانية:
تعتبر رواية (صمت الحملان ) للروائي والسيناريست الأمريكي توماس هاريس واحدة من أشهر الروايات العالمية في مجال
الرعب النفسي والإثارة في التاريخ ،و تدمج الرواية بشكل معقد بين التحقيق الجنائي وتحليل سايكولوجية القتلة المتسلسلين،حيث تقوم بطلة الرواية (كلاريس) بتتبع قاتل متسلسل مجهول يقوم باغتيال ضحاياه ويمثل بجثثهم قبل قتلهم، لا أدري لماذا وردت رواية صمت الحملان براسي وانا استمع للشهادة الصادمة والمروعة للمدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل ناثانييل ريموند أمام لجنة التنمية الدولية في البرلمان البريطاني والتي اتهم من خلالها بالأدلة الحكومة البريطانية بالتقاعس والتواطؤ مع الإمارات في عدم منع مجزرة (إبادة جماعية) في مدينة الفاشر في السودان والتي راح ضحيتها المئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في أكتوبر 2025 ،وصمتت الحكومة البريطانية كصمت الحملان وهي تعلم ان مليشيا الدعم السريع والإمارات تجهزان لارتكاب مجزرة مروعة بحق الآلاف من المدنيين الأبرياء.
والغريب في الربط بين رواية صمت الحملان وتواطؤ لندن مع أبوظبي ان في الرواية الخيالية نبحث عن قاتل متسلسل مجهول ،بينما لدينا قاتل معلوم في الرواية الحقيقية والواقعية (الإمارات) ويراها العالم بكامله وهي تقتل وتبيد وترتكب مجازر جماعية وتغتصب في السودان والعالم بكامله يصمت كصمت الحملان وكانما العالم عبارة عن متفرجين يشاهدون فيلم مسلي على شاشات عملاقة لشعب يقتل ويباد ليس لذنب اغترفه وانما من أجل التسلية ولرفضه ان يتم احتلاله من قبل دولة تملك المال.
(1)

وبالعودة لشهادة ريموند المروعة والصادمة أمام البرلمان البريطاني نستمع لافادات غريبة وصادمة عن تجاهل الحكومة البريطانة للتحذيرات الاستخباراتية المتواصلة وللأدلة التي قدمها الفريق البحثي لجامعة (ييل ) على مدار أكثر من عامين قبل (مجزرة الفاشر) ،وأكد المدير التنفيذي للجامعة في شهادته ان لندن تجاهلت التحذيرات وغضت الطرف عنها في مقابل مصالحها المالية.
وكشف ريموند عن طلب مسؤولي الخارجية البريطانية من مختبر جامعة ييل في مايو 2024 ،أن يقوم بنشر البيانات التي تربط الإمارات بمليشيا الدعم السريع علنا بدلا عن ان تقوم الحكومة البريطانية بذلك بنفسها ،لتهرب بريطانيا من الضغوط الخاصة الشديدة التي كانت تمارسها أبو ظبي عليها ،وقال ريموند بأسى خلال شهادته بان خزلان بريطانيا للسودانيين كان مضاعفا باعتبارها (حامل القلم) مما يجعلها الجهة الدولية الأولي المسؤولة عن صياغة القرارات وقيادة الاستجابة ،وعلى الرغم من امتلاكها كافة الأدلة إلا انها اختارت عدم اتخاذ أي خطوات صارمة أو فرض عقوبات لقطع إمداد السلاح عن الإمارات وربيبتها (الدعم السريع).
(2)
وضرب ريموند مثل على تعمد الحكومة البريطانية عدم اتخاذ أي خطوة لحماية السودانين وقال بانها في أبريل 2025 كانت تستضيف مؤتمر لمانحي السودان في لندن ،بينما كانت المليشيا تجتاح مخيم زمزم للنازحين في الفاشروتعدم العاملين في المجال الإنساني وتستعبد النساء ،ورغم ذلك التزمت لندن (صمت الحملان).
ويؤكد ريموند أن بريطانيا كانت تعلم أن الطائرات المسيرة المتقدمة وأنظمة الدفاع والقيادة والسيطرة والحرب الإلكرتونية والمرتزقة الذين مكنوا المليشيا من التقدم في الفاشر كانوا يأتون مباشرة من الإمارات ، وقال إن المسؤولين البريطانيين كانوا يعرفون دور الإمارات، ومع ذلك لم تكن هناك محاولة حقيقية لمواجهتها مباشرة.
وذكر ريموند ان بريطانيا لم يكن مطلوب منها أكثر من تهديد سياسي واقتصادي مباشر يمس مصالح الإمارات وصورتها الدولية ، كأن تلوّح الحكومات الغربية بأنها لن تسمح باستمرار سفر مواطنيها إلى دبي للتسوق في السوق الحرة، أو لقضاء العطلات على شاطئ جميرا، بينما تستمر أبوظبي في دعم حرب تُقتل فيها أعداد هائلة من المدنيين في السودان.
(3)
وقدّم ريموند مثالاً محدداً على الأدلة التي بحوزته، مشيراً إلى اجتماع عقده في مقر وزارة الخارجية البريطانية يوم 15 مايو 2024، حيث شارك معلومات لم تكن قد أعلنت للعامة في ذلك الوقت ، وأوضح أن مختبر البحوث الإنسانية في الجامعة تمكن، عبر بيانات تجارية، من الوصول إلى هواتف تابعة لمليشيا الدعم السريع، وأن تلك الهواتف كانت تتحرك عبر بوصاصو في الصومال، وعبر أديس أبابا ،و قال إن أحد الهواتف تحرك من أديس أبابا إلى أبوظبي خلال أربع ساعات فقط، في وقت لم تكن فيه أي رحلة تجارية بين المدينتين، ولم تكن هناك بيانات من أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بمراقبة الحركة الجوية تظهر طائرة على ذلك المسار. وبحسب ريموند، فإن المعنى المرجح لذلك هو أن طائرة عسكرية، وقد أطفأت جهاز الإرسال والاستقبال الخاص بها، كانت تنقل أشخاصاً كانوا قبل فترة قصيرة داخل مواقع عمليات أمامية رفيعة المستوى تابعة لمليشيا الدعم السريع في زالنجي ونيالا. واوضح أن تلك الهواتف، عند وصولها إلى أبوظبي، كانت تنتقل إلى مواقع شركات واجهة يسيطر عليها عبد الرحيم دقلو، قائد العمليات في مليشيا الدعم السريع، وهي شركات تعمل في معالجة المعادن والاستيراد والتصدير.
(4)
وقال ريموند إنه شارك هذه المعلومات مع وزارة الخارجية البريطانية، فكان ردهم أن سألوه إن كان سينشرها علناً، وهو طلب قال إنه أدهشه على عدة مستويات ، وتساءل عن سبب مطالبة قسم علم الأوبئة في كلية الصحة العامة بجامعة ييل، لا جهاز الاستخبارات السرية البريطاني ولا مقر الاتصالات الحكومية، بنشر هذه المعلومات الاستخباراتية.
وأوضح أن المنطق الذي قُدّم له هو أن الحكومة البريطانية كانت تواجه ضغوطاً وتهديدات من الإمارات إذا واجهتها بشأن دعمها للمليشيا ، ولذلك طُلب من المختبر تقديم إسناد مستقل يمنح غطاءً سياسياً للندن. وقال ريموند إنه كان مؤيداً للهدف العام، أي إظهار الأدلة على العلاقة العملياتية المباشرة بين مليشيا الدعم السريع والإمارات، لكنه أوضح أن نشر بيانات الهواتف كان سيعرّض مصدراً استخباراتياً مهماً للخطر، ويحرم فريقه من استخدامه مستقبلاً في الإنذار المبكر والتنبؤ بالهجمات ، لذلك قرر فريقه نشر أدلة عن منظومات أسلحة تتطابق مع منظومات معروفة في ترسانة الإمارات أو مرتبطة بها، كطريقة لإثبات الصلة من دون التضحية بمصدر معلوماتي بالغ الأهمية.
(5)
ولعل شهادات ريموند وهي شهادات علنية تنشر وتكشف لأول مرة عن تواطؤ وعلم المخابرات البريطانية والحكومة بما تقوم به الإمارات في السودان تمثل من وجهة نظري أقل من (1%) من المعلومات المملوكة للأجهزة الاستخبارية في أمريكا وأوروبا وفي المنطقة ،ويدل كل هذا بما لا يدع مجال للشك ان المال يشتري كل الذمم وان ما تقوم به الدول الأوروبية من نداءات لوقف الهجوم على المدنيين في السودان ما هي الا ستار وحالة ابتزاز عالمية علنية للإمارات بانهم يعلمون ما تقوم به ولكنهم سيصمتون حال تلقوا الثمن المناسب ..ويبدو ان الجميع لديه ثمن.