أسواق الخُردة تحت المجهر
- سرقة وإتلاف (14) ألف محول كهربائي بالخرطوم
- فقدان (1500) كيلومتر من خطوط نقل وتوزيع الكهرباء بالعاصمة
- الدمار الذي لحق بالمنازل والمؤسسات الحكومية إستهدف إستنزاف مقومات الحياة والخدمات
- مهندسون: إعادة تشغيل الكهرباء بالمؤسسات الحكومية يحتاج إلى تأسيس شبكات الكهرباء من الصفر
- إقتصاديون: يجب إنشاء آلية مشتركة لمراقبة حركة المعادن المنهوبة ومنع تسربها لخارج البلاد
الدبة – عادل الحاج:
لم تكن الحرب التي شهدتها العاصمة السودانية الخرطوم مجرد مواجهة عسكرية تركت آثارها على المباني والشوارع بل خلفت وراءها واقعاً أكثر تعقيداً يتمثل في عمليات نهب واسعة طالت البنية التحتية للمؤسسات الحكومية والخاصة على حد سواء.. ومن بين أكثر مظاهر هذا الدمار وضوحاً سرقة الكوابل الكهربائية وكوابل الإتصالات من المباني والمنشآت المختلفة الأمر الذي حوّل كثيراً من المرافق إلى هياكل أسمنتية فارغة وألقى بظلاله على جهود إعادة الإعمار وإستعادة الحياة الطبيعية.. ومع بدء عودة المواطنين والمؤسسات إلى الخرطوم تكشفت صورة صادمة لحجم الخسائر التي تعرضت لها المباني التي كانت حتى وقت قريب تضج بالحياة والنشاط .. عند التجول في عدد من أحياء الخرطوم تبدو آثار العبث والخراب واضحة للعيان فداخل العديد من المباني الحكومية والخاصة إختفت الكوابل الكهربائية بالكامل من الجدران والأسقف كما جرى إقتلاع لوحات التوزيع والمحولات والأجهزة المرتبطة بالشبكات الكهربائية.. التحقيق التالي يكشف تفاصيل هذه الجريمة الممنهجة التي إرتكبتها مليشيا الدعم السريع المتمردة في حق ممتلكات الشعب السوداني مع سبق الإصرار والترصد.
تدمير ممنهج:

المهندس الكهربائي، النذير عبد الله موسى، أشار في حديثة لـ(أصداء سودانية): قطاع الكهرباء في السودان تعرض لخسائر فادحة جراء الحرب التي ألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، فمشاهد المنازل التي جُرّدت من أسلاكها النحاسية وتوصيلاتها الداخلية وكوابلها الأرضية المنهوبة تعكس حجم الكارثة التي طالت هذا القطاع الحيوي، ولا بد هنا من الإشادة بالجهود التي بذلها ويبذلها مهندسو وفنيو الكهرباء في إيصال التيار الكهربائي لكل أحياء العاصمة المثلثة فعملهم المتواصل يعكس كفاءتهم العالية والكبيرة في هذا المجال الحيوي الهام.
ويواصل حديثه معربا عن أسفه العميق في ذات الوقت لما وصفه بالتدمير الممنهج للبنية التحتية، لاسيما قطاع الكهرباء الذي يمثل عصباً رئيسياً للصناعة والإنتاج في البلاد.. وكشف المهندس، النذير موسى، أن نحو 14 ألف محول كهربائي تعرضت للتدمير الكامل على أيدي المليشيا المتمردة وعصابات سرقة النحاس ولصوص الحرب، الذين عمدوا إلى تفكيكها ونهب زيوتها وملفاتها النحاسية ذات القيمة العالية.. وتساءل في ختام حديثه عن الكيفية التي جرى بها تهريب هذه الكميات الضخمة من النحاس الخام والكابلات المسروقة إلى خارج السودان، داعياً إلى التحقيق في الجهات والشبكات التي تقف وراء هذه الجريمة التي ألحقت أضراراً جسيمة بالإقتصاد الوطني وأعاقت جهود إعادة الإعمار وإستعادة الخدمات الأساسية.
دمار واسع:

جهات رسمية وفنية بقطاع الكهرباء اكدت أن الحرب خلفت دماراً واسعاً طال البنية التحتية للشبكة الكهربائية بولاية الخرطوم، حيث تعرضت كميات ضخمة من الكابلات والأسلاك والمحولات للنهب والتخريب المنظم.. وأشارت التقديرات إلى فقدان نحو (1500) كيلومتر من خطوط النقل والتوزيع، الأمر الذي ألحق أضراراً بالغة بالشبكة وأعاق جهود إعادة التيار الكهربائي إلى العديد من المناطق المتضررة.. ووفقاً لمصادر معنية بقطاع الكهرباء، فإن حجم الخسائر الناجمة عن سرقة الكابلات والمعدات الكهربائية وتدمير المحطات والمحولات يقدر بمليارات الدولارات، فيما تتراوح التقديرات الأولية لخسائر القطاع في ولاية الخرطوم بين ثلاثة وستة مليارات دولار، ما يجعل قطاع الكهرباء من أكثر القطاعات الحيوية تضرراً جراء الحرب، ويضع تحديات كبيرة أمام عمليات إعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية للمواطنين.
ويرى مختصون أن السبب الرئيسي وراء هذه الظاهرة هو الإرتفاع النسبي لقيمة النحاس الذي يدخل في صناعة الكوابل الكهربائية، حيث أصبح هدفاً سهلاً للباحثين عن الربح السريع في ظل حالة الإنفلات الأمني التي صاحبت الحرب.. ويشير مراقبون إلى أن عمليات النهب لم تكن في كثير من الأحيان عشوائية، بل تمت بصورة منظمة استهدفت مكونات محددة يمكن بيعها كخردة أو إعادة تدويرها والإستفادة من قيمتها التجارية.
الصدمة الكبرى:
الصدمة الكبرى التي واجهت الجهات الحكومية والمؤسسات الخدمية عند دخول مقارها بعد أشهر من الإغلاق أو التوقف القسري بسبب الحرب، تمثلت ان كثير من المباني وجدت خالية على عروشها من الشبكات الكهربائية الداخلية، فيما تعرضت أخرى لسرقة أنظمة التكييف والمولدات والمحولات والكوابل الرئيسية.. ويقول مهندسون في قطاع الكهرباء، إن إعادة تشغيل بعض المباني لا تتطلب أعمال صيانة بسيطة كما يظن البعض، بل تحتاج إلى إعادة تأسيس الشبكات الكهربائية من الصفر، وهو ما يرفع التكلفة ويطيل فترة إعادة التأهيل.
كما امتدت السرقات إلى عدد من المدارس والمراكز الصحية والمؤسسات الخدمية، الأمر الذي جعل عودتها إلى العمل مرهونة بتوفير موارد مالية ضخمة لإعادة تركيب البنية التحتية المفقودة.. ورغم صعوبة الحصول على أرقام دقيقة لحجم الخسائر، إلا أن تقديرات خبراء ومهندسين تشير إلى أن قيمة الكوابل والمعدات الكهربائية التي تعرضت للسرقة من المباني الحكومية والخاصة تقدر بملايين الدولارات.
وتبرز المشكلة بصورة أكبر عند النظر إلى التكلفة الفعلية للإحلال والاستبدال، حيث إرتفعت أسعار الكوابل الكهربائية والمعدات المرتبطة بها بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة نتيجة الأوضاع الاقتصادية وتقلبات أسعار العملات.. ويؤكد مختصون أن كل متر من الكوابل المسروقة يعني تكلفة إضافية تتحملها الدولة أو أصحاب المنشآت، وهو ما يزيد الأعباء المالية على جهود إعادة الإعمار التي تواجه أصلاً تحديات ضخمة.
مراقبة المسروقات:
تثير عمليات سرقة الكوابل تساؤلات عديدة حول الجهات التي تستقبل هذه الكميات الكبيرة من النحاس والمعادن المستخرجة من المباني المنهوبة.. ويرى مراقبون أن أسواق الخردة تمثل الحلقة الأهم في هذه القضية، إذ يصعب تصور إستمرار عمليات السرقة بهذا الحجم دون وجود منافذ لتصريف المواد المسروقة وتحويلها إلى أموال.. ويطالب خبراء إقتصاديون بفرض رقابة مشددة على تجارة الخردة والمعادن وإلزام المتعاملين فيها بإثبات مصادر ما يعرض للبيع، فضلاً عن تفعيل الإجراءات القانونية بحق المتورطين في شراء المواد المنهوبة أو التستر على تداولها.. كما يدعو آخرون إلى إنشاء آلية مشتركة تضم الأجهزة الأمنية والسلطات المحلية والجهات المختصة لمراقبة حركة المعادن والخردة ومنع تسربها إلى الأسواق بصورة غير قانونية.
الخبراء يحذرون:
يحذر خبراء في مجالات الكهرباء والاتصالات من أن إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة لن تكون مهمة سهلة أو سريعة، خاصة في ظل حجم الدمار الذي لحق بالمنشآت المختلفة،
ويشير هؤلاء إلى أن إعادة تركيب الكوابل لا تقتصر على شراء المواد اللازمة، بل تشمل أعمال التصميم والفحص والتركيب والاختبارات الفنية، إضافة إلى معالجة الأضرار الأخرى التي لحقت بالمباني.. ويؤكد بعض المختصين أن إستمرار ظاهرة سرقة الكوابل والمعدات قد يؤدي إلى إبطاء جهود التعافي وإطالة أمد الأزمة الخدمية التي يعاني منها السكان.
وفي نهاية المطاف، لا تقف آثار سرقة الكوابل عند حدود المباني والمؤسسات فقط، بل تمتد إلى المواطنين الذين ينتظرون عودة الخدمات الأساسية.. فكل مدرسة تتأخر في إستئناف نشاطها بسبب غياب التوصيلات الكهربائية، وكل مركز صحي يعجز عن تشغيل أجهزته، وكل مؤسسة خدمية تتوقف عن أداء دورها، يمثل عبئاً إضافياً على المواطنين الذين أنهكتهم الحرب وتداعياتها.
الدمار هائل:
يقول عدد من السكان إنهم فوجئوا بحجم الدمارالهائل الذي طال منازلهم عند عودتهم إليها ببعض المناطق، مؤكدين أن ما حدث يتجاوز حدود التخريب العابر إلى إستنزاف مباشر لمقومات الحياة والخدمات.. ففي ظل هذه التحديات، يبرز سؤال جوهري حول الكيفية التي يمكن بها حماية ما تبقى من البنية التحتية في العاصمة ومنع تكرار عمليات النهب.
ويرى خبراء أن المعالجة تتطلب مزيجاً من الإجراءات الأمنية والتشريعية والرقابية، إلى جانب الإسراع في إعادة تشغيل المؤسسات والمرافق العامة، لأن المباني المهجورة تظل أكثر عرضة للإستهداف.. كما يؤكدون أهمية توثيق الأضرار وحصر الموجودات المنهوبة ووضع خطط عاجلة لحماية المنشآت الحيوية، بالتوازي مع ملاحقة الشبكات المتورطة في سرقة وتجارة الكوابل والمعادن.
أخيرا:

تكشف قضية سرقة كوابل مباني الخرطوم عن وجه آخر من وجوه الخسائر التي خلفتها الحرب، فإلى جانب الدمار الذي طال المباني والطرق والمرافق العامة، جاءت عمليات النهب لتضيف عبئاً جديداً على مسيرة التعافي وإعادة الإعمار، فبينما تتطلع العاصمة إلى إستعادة عافيتها، يبقى وقف إستنزاف ما تبقى من بنيتها التحتية ومحاسبة المتورطين في هذه الجرائم شرطاً أساسياً لعودة الحياة إلى المدينة التي دفعت ثمناً باهظاً للحرب، وما زالت تدفع ثمن ما أعقبها من فوضى وخراب.