
الخلل البنيوي… كيف عجزنا عن تحويل التنوع والثروة إلى مشروع نهضة؟
د. الهادي عبدالله أبوضفائر
*الأمم لا تُفقر لندرة الموارد ولا تتأخر لغياب العقول وإنما لعجزها عن إدارة ما تملك.. فالتاريخ يؤكد ان دولاً نهضت فوق أرضٌ قاحلة جرداء لأنها امتلكت قوة الإرادة (سنغافورة). بينما سقطت أخرى رغم وفرة المياه والارض والمعادن، لأنها فقدت الرؤية التي تجعل الكرامة الإنسانية قبل الموارد محوراً للتنمية.
*من هنا تكتسب الفكرة التي طرحها المؤرخ والاقتصادي كارلو شيبولا أهميتها. فهو لا ينظر إلى الغباء بوصفه نقصاً في الذكاء أو التعليم، وإنما باعتباره نمطاً من السلوك، يصدُر من أي إنسان مهما بلغ علمه أو مكانته ويُعرّف شيبولا الانسان الغبي بأنه من يلحق الضرر بنفسه وبالآخرين، (يهدم المعبد على الكل علي وعلى الآخرين)، دون أن يحقق منفعة حقيقية لأحد
يرى شيبولا أن الاغبياء كُثُر والغباء ليس حكراً على طبقة اجتماعية أو مستوى تعليمي أو ثقافي بعينه بل ظاهرة إنسانية تتوزع بين جميع الفئات من حملة جائزة نوبل وارفع الدرجات العلمية والثقافية الي عامة الناس، فالمال والشهادات والمكانة الاجتماعية لا تمنح حصانة من الغباء لذلك يوجد في كلّ مجتمع من يصُرّ بنفسه وبالآخرين، وهو ما يُفسر جانبا من تعثر المجتمعات وهي تظن أنها تمضي نحو الأفضل.
*فالانسان الذكيّ هو من يقدم منفعة مشتركة، يربح هو والآخرين معه. أما الانتهازي فيسعى لربحه الخاص ولو ثمنه خسارة غيره.. والساذج يخسر ليمنح غيره ما لا يحسن استثماره.. أما الغبي فهو الذي يخسر ويجعل الجميع يخسرون، (عليَّ وعلى اعدائي)، لأنه لا يدرك العلاقة بين الفعل ونتيجته، وبين القرار ومآلاته ويظن انه يُحسن صُنعا.
*هذه التصنيفات لا تتحدث عن أشخاص بقدر ما هي أوصاف لطرق التفكير وأنماط السلوك. فقد يتصرف الفرد بذكاء في موقف، وبانتهازية في آخر، وبسذاجة أو بطيش في ثالث إلا الغبي يظل أسير نمط واحد دوماً يخسر ويُخسر من حوله. لكن المأساة تبدأ عندما تتجاوز حدود السلوك الفردي لتصبح ثقافة عامة، ومن تصرفات معزولة إلى مؤسسات تعيد إنتاجه بصورة مستمرة.
*وهنا يفرض الوطن نفسه مثالاً جديراً بالتأمل. فالوطن ليس فقيراً في موارده، ولا محدوداً في تنوعه. تتجاور فيه الأعراق والثقافات واللغات والبيئات وتمتد فيه الأراضي الخصبة مدّ البصر وتجري فيه الانهار والوديان وتختزن باطن أرضه ثروات معدنية هائلة فضلاً عن طاقات بشرية أثبتت بجدارة تميزها وصدقها كلما وجدت بيئة عادلة ومنظمة.
*ولكن المُحير لماذا ظل هذا التنوع وقوداً للصراع أكثر من كونه مصدراً للإبداع؟ ولماذا فشلت الثروات في ان تكون أساساً للتكافل فتحولت الي ميدان للصراع؟ وكيف عجزت المقومات التي كان يفترض أن تصنع قوة وطنية ومشروعا جامعاً فتحولت إلى بؤر للاقتسام؟.
*وما يفاقم الاشكال أننا ظللنا نبحث عن أسباب الأزمة في نقص الإمكانات بينما كانت تكمن في طريقة ادارتها.. فقد تعاملت النخب (الافندية) مع التنوع بوصفه عبئاً لا ثروة، وغلبت الولاءات الضيقة على فكرة المواطنة، فأضحى الانتماء وسيلة لاقتسام السلطة والموارد بدلاً ان يكون ركيزة لمشروع وطني جامع.. هكذا تحولت السياسة من أداة لبناء الدولة إلى إدارة للنزاع، فضاع التنوع وتبددت الثروات وتعثر الوطن.
*لم يقتصر الخلل على السياسة وإنما تسرب إلى بنية الثقافة الاجتماعية، فبدل ان يكون الاختلاف مدخلاً للحوار، اصبح ذريعة للتصنيف والإقصاء، وغدا الإنسان يقاس بأصله قبل كفاءته وبانتمائه قبل عطائه وتحولت المحاصصة إلى معيار للاختيار، فتم تمكين الضعيف على حساب الكفاءة.. وعندما يحدث ذلك لا يخسر الوطن أفراداً وإنما يخسر اثمن ما يملكه ألا وهي الثقة بين مواطنيه وهي أساس كل نهضة وتقدم.
*ثم جاءت المركزية لتضيف بعداً آخر للازمة.. فتركزت الموارد والسلطة والخدمات في نطاق جغرافي معين ومحدود بينما ظلت أطراف واسعة تشعر بالتهميش عن القرار وثمرة التنمية، وعندما يغيب الإحساس بالشراكة، يتحول الوطن في الوعي الجمعي من بيت يُبنى إلى غنيمة تُقتسم.
*أما الاقتصاد فقد ظل أسيراً للاستهلاك والريع اكثر من الإنتاج. فلم تسثمر الأراضي الزراعية بما يليق بإمكاناتها، لم تتحول الصناعة إلى مشروع وطني واستنزفت الثروة المعدنية عبر التعدين العشوائى دون ان تصبح ركيزة لتنمية مستدامة ولم يكن السبب ندرة الموارد وإنما غياب الرؤية التي تجعل الثروة في خدمة الإنسان.
*وفي التعليم انشغلنا بتكديس المعلومات اكثر من بناء العقول، واهتممنا بالكم اكثر من الكيف، فأهملنا تنمية التفكير النقدي وروح المبادرة. فخرّجنا اجيالا تحفظ اكثر مما تحلل، وتردد اكثر من تناقش، في وقت كانت فيه الامم التي نهضت تستثمر في تعليم يحرر العقل وينمي الإبداع، ويغرس ثقافة العمل الجماعي.
*وكذلك دفعت الادارة العامة ثمن تقديم الولاء على الكفاءة ، فضعفت المؤسسات، وأصبحت بعض المواقع تمنح بمعايير لا علاقة لها بالخبرة أو الجدارة، وحين تغيب المؤسسية، يصبح بقاء الوطن رهيناً بالأفراد لا بالنظام، فإذا غاب الأشخاص غابت معهم الإنجازات، فالدول تبنى بالمؤسسات لا بالأفراد.
*ولعل المأساة الكبرى تبدأ حين يفقد الخلاف السياسي حدوده، فيتحول من تنافس على خدمة الوطن إلى صراع لإقصاء الخصم، عندها يصبح الانتصار على المنافس اهم من الانتصار للوطن.. وحين تتحول السياسة إلى معركة صفرية، يخسر الجميع حتى من يظن أنه انتصر.. وهنا تتجلى فكرة شيبولا اخطر السلوكيات هي تلك التي تفضي إلى خسارة عامة دون أن تحقق منفعة حقيقية لأحد.
*ومع ذلك لا تقود هذه القراءة إلى التشاؤم، فالأمم لا تهزم بأخطائها، وأنما بعجزها من التعلم منها وقدرتها على المراجعة.. الوطن لا يحتاج إلى معجزة بقدر ما يحتاج إلى مراجعة عميقة لطريقة التفكير التي أدارت الدولة والمجتمع وإلى ارادة تبني المستقبل بعقل جديد.
*لا يبدأ المستقل ببناء وتشييد المباني، وإنما ببناء الانسان، حين نُدرك أن التنوع قوة، والعدالة أساس الاستقرار، والثروة لا تثمر إلا بعقل مؤسسي، وأن الوعي هو البنية التحتية الأولى التي تُقام عليها كل نهضة.
*الدول العظيمة لا تنتصر لأنها تمتلك اكثر، وإنما لانها تهدر أقل. ولا تنهض لانها تخلو من الاخطاء، بل لأنها تتعلم منها، وتحول التجارب القاسية إلى خبرة والانقسام إلى عقد اجتماعي جديد والاختلاف إلى طاقة الإبداع، (ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم) المشلكة ليست في الاختلاف أنما في طريقة إدارته.
*ولعل الحكمة التي تستحق أن تكتب أنّ الأوطان لا تهزها الفاقة ولا الحصار ولا الحروب وحدها. وإنما يهزمها عجزها عن تحويل اختلاف أبنائها إلى شراكة وثرواتها إلى تنمية وطاقاتها البشريه إلى مشروع حضاري. فإذا نجح المجتمع في كسر هذه الحلقة،فلن يغيّر اقتصاده فقط وإنما سيعيد صياغة مصيره ويكتب فصلاً جديداً من التاريخ.