
عروس .. أصابتها اللعنة
بعد .. و .. مسافة
مصطفى أبو العزائم
*لا يذهب تفكيرك بعيداً ف(عروس) التي نقصدها، هي منطقة عروس على ساحل البحر الأحمر، شمال مدينة بورتسودان، والتي إزدهت ذات يوم خلال حكم الرئيس جعفر نميري – رحمه الله – ودفع المستثمرون بملايين الدولارات، من أجل إقامة قرية سياحية عليها، كانت نموذجاً للقرى السياحية في المنطقة العربية، ولم نكن حتى ذلك الوقت نعرف القرى السياحية، فثقافتنا في هذا الجانب لم تتضمن إهتماماً بالسياحة، أو التأسيس والتأثيث لكل ما يمكن أن يكون نواة لعمل ترفيهي إجتماعي أو سياحي.
*نهضت (عروس) لكن سرعان ما مات الحلم ، وسرعان ما تراجعت الأحلام والأمنيات لدى مواطن البحر الأحمر، الذي فوجئ ذات يوم عقب إنهيار الحكم المايوي ، بتفاصيل فضيحة ترحيل الفلاشا الأثيوبيين عن طريق السودان، حيث كانت قرية (عروس) السياحية آخر محطة تنطلق منها الطائرات إلى محطة وسيطة – أحسب أنها بروكسل – ثم تنطلق منها إلى إسرائيل.
*ألممت شخصياً بتفاصيل ترحيل الفلاشا، من ضابط الأمن عبدالله عبدالقيوم، الذي لم يقبل أن يرى هذا الأمر يتم تحت سمعه وبصره، فآثر الخروج من السودان، حاملاً معه المعلومات والملفات إلى إحدى الدول العربية التي إستجوبته سلطاتها و إحتجزته ثم أعادته (مخفوراً) مأسوراً إلى السودان ليودع في السجن، لكنه لم يبق فيه كثيراً حيث خرج بعد إنتفاضة أبريل ، لألتقيه داخل مكتب اللواء شرطة محي الدين محمد علي – رحمه الله – عندما كان مديراً لشرطة أم درمان ، وهو يمت إليه بصلة قربى ، ثم عدت وإلتقيت بذات الضابط مرة أخرى وأخيرة في الجماهيرية العربية الليبية الإشتراكية العظمى – هكذا كانت تسمى ابان حكم العقيد الراحل معمر القذافي – ، ولم ألتقه بعد ذلك.
*أما التفاصيل الوافية فقد حصلت عليها من مكتبة الفرجاني في شارع أول سبتمبر بطرابلس في ليبيا خلال حكم العقيد الراحل معمر القذافي ، عندما وجدت كتاباً معروضاً يحمل اسم (الموساد – الملف الأسود) ، مؤلفة أحد ضباط الموساد اسمه فيكتور بولونسكي، ولا أعرف إن كان هذا إسمه الحقيقي أم هو إسم مزيف ، لكنني إقتنيت الكتاب أوائل عام 1990م وقرأته كما نقول في عاميتنا (من الجلدة للجلدة) ورأيت كيف يعظم الأسرائيليون أجهزة مخابراتهم ، ويستعرضون قوتها وسطوتها وقدرتها على الإختراق بصورة إحترافية، يتحسب القائمون بتنفيذ أي عمل لصالح دولتهم لأي خطأ محتمل
قطعاً في ذلك نوع من المبالغة والإستعراض.
* فقد تعرض الكتاب لعمليات عديدة قامت بها الموساد من ضمنها عملية ترحيل الفلاشا من أثيوبيا ، عن طريق السودان، والتي خصص لها فصلاً كاملاً بعنوان (عملية موسى).. وكنت أقرأ التفاصيل بغيظ شديد ، خاصةً عندما يستهين الكاتب بنا وببلادنا ، إلى الدرجة التي أشار فيها إلى أن هناك ضابطاً سودانياً ، قدم عوناً كبيراً للقائمين بتنفيذ تلك العملية (عملية موسى) ، وعندما سأله مندوب الموساد عن أي شيء يريد ، وقال له (أنت تطلب ونحن نلبي) توقع مندوب الموساد أن يطالب ذلك الضابط مئات الآلاف من الدولارات، وتحسب هو ومخابراته لذلك الثمن المتوقع ، لكنه فوجئ بالضابط العظيم يطلب شيئاً حقيراً ، لا يتناسب مع ما قام به في نظر الإسرائيلي ، فقد طلب (عجلة رالي) دراجة هوائية ، تم توفيرها له، ولم يعرف ضابط الموساد إن أراد الرجل الدراجة لنفسه أو لأحد من أبنائه.
*تذكرت الكتاب والوقائع والأحداث ذات يوم في العام 2014 م، ونحن في طريقنا من بورتسودان إلى منطقة (إيت) شمالاً لزيارة بعض مناطق التعدين ، وقد مررنا على أطلال (عروس) التي كانت أول قرية سياحية في السودان ، لكن لعنة الفلاشا أصابتها فأضحت أثراً بعد عين.
*لكن الذي خفف عنا قليلاً ، نشوء منتجع جميل وحديث حمل إسم (منتجع البحر الأحمر) يؤمه أهل بورتسودان والسياح وزوار المدينة الرسميين وغير الرسميين ، وقد انشأته وتديره سيدة سودانية فاضلة هي السيدة إيمان عثمان حسين وهي كريمة الضابط المعروف اللواء عثمان حسين ، والتي عاشت زماناً طويلاً خارج السودان لكنها عادت بهذه الفكرة التي أنعشت ذلك الساحل من جديد، وكانت آنذاك تحقق النجاح يوماً بعد يوم ، أو كما قالت لي وزميلي الراحل الأستاذ حسن البطري نائب رئيس تحرير صحيفة الصحافة الغراء في ذلك الوقت ، عندما تناولنا الغداء هناك ونحن ضمن وفد كبير يزور ولاية البحر الأحمر ، ويقوده وزير المعادن آنذاك الدكتور أحمد محمد محمد صادق الكاروري.
*لكن هذا المنتجع نفسه لم نعد نسمع عنه شيئاً ونخشى أن يكون قد راح في خبر كان.