آخر الأخبار

لماذا انطفأت الأنوار؟

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*حين يغرق السودان في ظلامٍ دامس، لا يكون انقطاع الكهرباء مجرد عطلٍ فني أو أزمةٍ عابرة، وإنما يصبح مرآةً تعكس تراكمات سنوات طويلة من القرارات والسياسات والحروب والاستهداف المباشر للبنية التحتية.. فالكهرباء ليست مجرد خدمة، بل هي عصب الاقتصاد، ومحرك الصناعة، وشريان الزراعة، وأساس الحياة اليومية للمواطن.

*ويستحضر كثير من السودانيين اليوم سنوات ما قبل عام 1989م ، حين كانت قطوعات الكهرباء تمتد لساعات طويلة، وكانت أزمة الطاقة جزءاً من واقع اقتصادي وخدمي بالغ الصعوبة. ثم شهد قطاع الكهرباء، خلال العقود اللاحقة، توسعاً كبيراً في مشروعات الإنتاج والنقل والتوزيع، وربط الشبكات، وزيادة قدرات التوليد، الأمر الذي انعكس إيجاباً على قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات، حتى أصبح استقرار الإمداد الكهربائي أحد أبرز الإنجازات التنموية التي لمسها المواطن في حياته اليومية.

*غير أن هذا القطاع الحيوي تعرض خلال السنوات الأخيرة لهزات متلاحقة أعادته إلى دائرة الأزمات.. ومن بين أكثر القضايا التي أثارت جدلاً واسعاً، ما ترتب على قرارات لجنة إزالة التمكين بإنهاء خدمات أعداد كبيرة من العاملين في مؤسسات الدولة، ومن بينها قطاع الكهرباء.. ويرى كثيرون أن تلك القرارات القاسية والسياسات التي انتهجتها اللجنة تجاه قطاع الطاقة، ولا سيما قطاع الكهرباء، أفقدت هذا المرفق الحيوي عدداً كبيراً من المهندسين والفنيين وأصحاب الخبرات المتراكمة، إذ تشير البيانات الواردة في كتابي (لجنة إزالة التمكين في السودان: الممارسات والآثار) إلى فصل نحو أربعة آلاف مهندس وفني وخبير وعامل شمل قطاعات الكهرباء والنفط الغالبية من هذا القطاع (الكهرباء ) وقد انعكس ذلك  – على كفاءة التشغيل والصيانة وسرعة الاستجابة للأعطال، وشكل ضربة قاسية لأحد أهم القطاعات الإستراتيجية، في وقت كانت البلاد أحوج ما تكون إلى المحافظة على خبراتها الوطنية لا التفريط فيها.

*وقد بينت في كتابي (لجنة إزالة التمكين في السودان: الممارسات والآثار) أن تلك القرارات أدت إلى خروج آلاف الكفاءات والخبرات المتخصصة من قطاع الكهرباء السدود والخزانات المحطات الحرارية والبترول، وهو ما يمثل  نزيفاً بشرياً أصاب قطاعاً يعتمد في المقام الأول على الخبرة التراكمية والكفاءة الفنية. فشبكات الكهرباء لا تُدار بالقرارات الإدارية وحدها، وإنما تُدار بعقول المهندسين، وخبرة الفنيين، والتدريب المستمر، والتراكم المعرفي الذي يُبنى عبر سنوات طويلة من العمل.

*فالمنظومات الكهربائية من أكثر المرافق حساسية وتعقيداً، وأي فقدان للكفاءات ينعكس مباشرة على أعمال التشغيل والصيانة، وسرعة معالجة الأعطال، والتخطيط للتوسعات المستقبلية. ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي في الكهرباء لا يقتصر على إنشاء المحطات والخطوط والمحولات، بل يبدأ بالإنسان المؤهل الذي يدير هذه المنظومة ويحافظ عليها ويطورها.

*ثم جاءت حرب أبريل 2023م لتضيف بعداً أكثر خطورة إلى الأزمة، إذ لم تقتصر آثارها على تعطيل الحياة العامة، بل امتدت إلى استهداف قطاع الكهرباء، الذي يُعد شريان الحياة للاقتصاد الوطني. فقد تعرضت محطات التوليد، ومحطات التحويل، وخطوط النقل، وعدد من المرافق الحيوية، لأضرار جسيمة نتيجة العمليات العسكرية والهجمات بالطائرات المسيّرة، الأمر الذي أدى إلى خروج أجزاء واسعة من الشبكة الكهربائية عن الخدمة، وتعقيد أعمال الصيانة والإصلاح، في ظل نقص قطع الغيار، وصعوبة وصول الفرق الفنية إلى مواقع الأعطال، واستمرار التهديدات الأمنية. وأصبحت فرق الكهرباء تخوض معركة يومية لإعادة التيار إلى المدن والقرى، بينما تتعرض المنشآت للإضرار مرة بعد أخرى، مما فاقم معاناة المواطنين، وألقى بظلاله على الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي، وأعاد البلاد إلى دائرة القطوعات الطويلة والظلام الذي يرهق حياة الناس ويعطل عجلة التنمية.

*إن الأزمة الراهنة ليست نتاج عامل واحد، وإنما هي حصيلة تراكمات متشابكة؛ فقدان للخبرات البشرية، وتراجع في أعمال الصيانة والتحديث، واستهداف مباشر للبنية التحتية خلال الحرب. وعندما تجتمع هذه العوامل في قطاع يمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، فإن النتيجة الطبيعية هي ما يعيشه السودان اليوم من أزمة كهرباء خانقة.

 

*ولذلك فإن معالجة الأزمة لا ينبغي أن تقتصر على إصلاح الأعطال اليومية، وإنما تستوجب رؤية وطنية شاملة لإعادة بناء قطاع الكهرباء على أسس علمية ومهنية، تبدأ بإعادة الاعتبار للخبرة والكفاءة، والاستفادة من جميع الكوادر المؤهلة، وتأهيل الشبكات والمحطات، وتوفير التمويل اللازم للصيانة والتوسعة، والتوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، وتعزيز حماية المنشآت الإستراتيجية باعتبارها جزءاً من الأمن القومي.

*إن الكهرباء ليست قضية سياسية، وإنما قضية وطن ومستقبل وتنمية. ولا يجوز أن تكون ضحية للصراعات أو الاستقطاب أو القرارات التي تُغلِّب الاعتبارات السياسية على الكفاءة المهنية. فالدول تُبنى بالخبرات، وتحافظ على مؤسساتها، وتستثمر في عقول أبنائها، لأن الإنسان المؤهل يظل الثروة الحقيقية لأي مشروع تنموي.. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كيف نطالب باستقرار الإمداد الكهربائي إذا كانت المنظومة قد فقدت جانباً كبيراً من خبراتها، ثم تعرضت بنيتها التحتية لدمار الحرب؟ إن الإجابة تبدأ بمراجعة التجارب السابقة، والاستفادة من الدروس، وإعادة بناء المؤسسات على أساس الكفاءة والخبرة، ووضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

*فإذا أردنا أن تعود الأنوار إلى بيوت السودانيين، فلا بد أن نعيد أولاً الاعتبار للإنسان الذي يشغل هذه المنظومة، وأن نحمي مؤسسات الدولة من الاستنزاف، وأن نجعل الكفاءة والخبرة أساساً لإدارة قطاع يمثل شريان الحياة للاقتصاد والمجتمع. فالكهرباء لا تنطفئ من فراغ، وإنما تنطفئ عندما تُستنزف الكفاءات، وتُهمل المؤسسات، وتُستهدف البنية التحتية، وتغيب الرؤية الإستراتيجية التي تحفظ للوطن مقومات نهضته.