
الأبيض.. هل ستواجه سيناريو الفاشر؟
لمياء موسى
*لم تعد مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، مجرد مركز إداري أو نقطة ارتكاز جغرافية في غرب السودان، بل أصبحت إحدى أبرز ساحات الصراع حساسية. فما يجري على تخوم المدينة يتجاوز حدود التنافس على السيطرة على رقعة جغرافية بعينها، وإنما هو مواجهة تتعلق بالسيطرة على أحد أهم خطوط الإمداد والاتصال التي تربط وسط السودان بغربه، وما يترتب على ذلك من آثار عسكرية وسياسية قد تمتد إلى مجمل مسار الحرب، من انعكاسات مباشرة على موازين القوى في السودان.
*خلال الأسابيع الأخيرة، شهدت المدينة ومحيطها تصعيدًا عسكريًا متسارعًا، تمثل في تكثيف الهجمات بالطائرات المسيّرة، وتبادل القصف، وتعزيز الحشود العسكرية على مختلف المحاور، مع تحركات ميدانية تهدف إلى إعادة تموضع القوات وتعزيز خطوط الدفاع، في ظل استعدادات عسكرية متسارعة على جانبي المواجهة، في مؤشر يعكس اقتراب مواجهة واسعة قد تكون من أكثر معارك الحرب السودانية تأثيرًا منذ اندلاعها.. ومع استمرار التصعيد، تتزايد المخاوف من أن تجد مدينة الأبيض نفسها أمام السيناريو الذي عاشته الفاشر، حيث امتزجت المواجهات العسكرية بحصار طويل وانهيار إنساني واسع النطاق.
*ولا تقتصر أهمية المدينة على موقعها الجغرافي، بل تمتد إلى بنيتها العسكرية والاقتصادية.. فهي تضم إحدى أهم فرق المشاة التابعة للقوات المسلحة السودانية، إلى جانب قاعدة جوية تمثل ركيزة أساسية في إدارة العمليات العسكرية غرب البلاد، كما تمر عبرها مسارات نقل حيوية، من بينها أحد خطوط النفط، فضلًا عن كونها مركزًا تجاريًا رئيسيًا تشتهر بتجارة الصمغ العربي والماشية والحبوب، وهو ما جعلها توصف في الأوساط العسكرية والسياسية بأنها (بوابة كردفان)، باعتبار أن السيطرة عليها تمنح صاحبها أفضلية كبيرة في إدارة العمليات داخل الإقليم.
*ومن هذا المنطلق، لم تعد معركة الأبيض مجرد مواجهة للسيطرة على مدينة بعينها، بل أصبحت جزءًا من صراع أشمل على الجغرافيا العسكرية للسودان.. ويرى محللون عسكريون أن الطرف الذي يفرض سيطرته على المدينة سيكتسب قدرة أكبر على التحكم في خطوط الإمداد والاتصال بين وسط البلاد وغربها، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على موازين القوى في كردفان ودارفور، بل وعلى مسار الحرب السودانية برمته.
*ينظر الجيش السوداني إلى الحفاظ على الأبيض باعتبارها أولوية استراتيجية، فهي مركز رئيسي لربط قواته في وسط السودان بانتشارها في غرب البلاد، كما تمثل قاعدة لوجستية وعسكرية يصعب تعويضها إذا فقد السيطرة عليها.. ومن هذا المنطلق، يسعى الجيش إلى تأمين المدينة باعتبارها نقطة ارتكاز تضمن استمرار التواصل العملياتي مع قواته في دارفور، وتمنع قوات الدعم السريع من توسيع نطاق انتشارها غربًا ووسطًا.
*في المقابل، ترى قوات الدعم السريع أن السيطرة على الأبيض تمثل خطوة مفصلية في مشروعها العسكري، إذ تتيح لها ربط مناطق نفوذها في دارفور بمناطق أخرى في كردفان، وتعزيز قدرتها على المناورة وإعادة انتشار قواتها، فضلًا عن قطع خطوط الإمداد التي يعتمد عليها الجيش في تحركاته غرب البلاد.. ولذلك، فإن السيطرة على المدينة لا تمثل بالنسبة إليها مكسبًا ميدانيًا فحسب، بل مدخلًا لإعادة تشكيل ميزان القوة في غرب السودان وفرض واقع عسكري جديد على الأرض.
*وبذلك، أصبحت كردفان الساحة التالية في الحرب السودانية، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، وإنما لأنها تمثل مفتاح السيطرة على حركة القوات والإمدادات بين مختلف الأقاليم.. ومن هنا، تحولت الأبيض إلى مركز الثقل في هذه المعادلة، إذ إن نتائج المعركة الدائرة حولها لن تقتصر على تحديد الجهة المسيطرة، وإنما قد تحدد أيضًا اتجاه الحرب في غرب السودان، وربما تفرض معطيات جديدة على أي تسوية سياسية محتملة في المستقبل.
*غير أن القيمة الاستراتيجية للأبيض جعلتها، في الوقت نفسه، واحدة من أكثر المدن السودانية عرضة لخطر الانهيار الإنساني.. فالمدينة لم تعد تؤوي سكانها فحسب، بل استقبلت مئات الآلاف من النازحين الفارين من مناطق القتال في دارفور وكردفان، لتصبح ملاذًا أخيرًا لآلاف الأسر التي وجدت نفسها مجددًا أمام شبح النزوح.. ومع اتساع نطاق العمليات العسكرية، وتصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة والقصف الذي طال مناطق مدنية ومنشآت حيوية، وألحق أضرارًا بشبكات المياه والطاقة ومستودعات الوقود، كما عرقل وصول قوافل الإمداد، الأمر الذي انعكس في نقص الغذاء والدواء وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وزاد من معاناة المدنيين المحاصرين بين القتال وتراجع الخدمات الأساسية.
*ولعل أكثر ما يثير القلق هو المقارنة المتكررة بين ما تشهده الأبيض اليوم وما سبق أن شهدته مدينة الفاشر.. فالتشابه لا يقتصر على الحشود العسكرية المحيطة بالمدينة، وإنما يمتد إلى المؤشرات التي سبقت تدهور الأوضاع هناك، من تضييق على طرق الإمداد، وتزايد الضغوط على البنية التحتية، وارتفاع أعداد النازحين، وهو ما دفع الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية إلى التحذير من أن استمرار العمليات العسكرية قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة إذا اندلعت مواجهات واسعة داخل المدينة.
*وأمام هذه التطورات، برزت تحركات دبلوماسية دولية تعكس إدراكًا متزايدًا لخطورة المعركة وتداعياتها.. فقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة من تصاعد القتال حول الأبيض، ولا سيما في ظل التقارير التي تحدثت عن تعزيزات عسكرية واسعة في محيطها، داعيًا أطراف النزاع إلى وقف التصعيد، وحماية المدنيين، والانخراط في مسار تفاوضي ينهي الحرب ويحول دون اتساع رقعتها.
*وعلى مستوى مجلس الأمن، قادت المملكة المتحدة جهودًا دبلوماسية للضغط باتجاه احتواء الأزمة، مطالبة بوقف الهجمات على المدينة، وضمان حماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، ومؤكدة أن الحسم العسكري لن يحقق استقرارًا دائمًا، وأن التسوية السياسية تظل السبيل الوحيد لإنهاء النزاع.. كما واصلت لندن مشاوراتها مع شركائها لدعم هدنة إنسانية تمهد لوقف إطلاق النار واستئناف العملية السياسية.
*وفي السياق ذاته، أصدرت دول مجموعة السبع، بمشاركة الاتحاد الأوروبي، بيانات مشتركة دعت إلى وقف الأعمال القتالية، والالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات دون عوائق، مع التأكيد على ضرورة استئناف العملية السياسية ووقف أي دعم خارجي يسهم في إطالة أمد الحرب.. وتعكس هذه المواقف إدراكًا متزايدًا بأن معركة الأبيض لم تعد شأنًا سودانيًا داخليًا فحسب، بل أزمة تحمل تداعيات إقليمية ودولية تتجاوز حدود السودان.
*وعلى الصعيد الحقوقي، حذرت المحكمة الجنائية الدولية من خطر تكرار الفظائع التي شهدها إقليم دارفور، فيما وصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان المؤشرات الميدانية بأنها إنذار جدي لاحتمال وقوع كارثة جديدة، داعيًا المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لمنع الانتهاكات وحماية المدنيين.. ومع ذلك، لا تزال الجهود السياسية عاجزة عن وقف التصعيد، في ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع الفجوة بين التحذيرات الدولية والوقائع الميدانية.
*وبينما تترقب المنظمات الدولية والجهات الإنسانية مآلات الوضع في الأبيض، تقف المدينة أمام لحظة مفصلية بين احتواء خطر التصعيد وحماية المدنيين، أو الانزلاق إلى مسار مأساوي.. ومع استمرار القتال وتراجع فرص التهدئة، تبرز الأبيض كإحدى أكثر النقاط حساسية في مسار الحرب السودانية، حيث يبقى المدنيون في مواجهة تهديدات متزايدة تمس أمنهم وحياتهم وحقهم في الاستقرار.
*من منظور القانون الدولي، تكشف هذه الأزمة عن إشكالية أعمق تتجاوز حدود السودان.. فالعالم نجح، على امتداد العقود الماضية، في ترسيخ منظومة متقدمة لحماية حقوق الإنسان، إلا أن الاختبار الحقيقي لا يكمن في صياغة القواعد، بل في القدرة على إنفاذها.. وعندما تظل الأمم المتحدة، بكل ما تمثله من شرعية دولية، أسيرة لغة التحذير والمناشدة، فإن ذلك يطرح تساؤلات جوهرية حول فاعلية النظام الدولي وقدرته على تحويل مبادئ ميثاق الأمم المتحدة إلى ضمانات حقيقية لحماية الإنسان وقت النزاعات.
*ولا تقع المسؤولية على عاتق المنظمة الدولية وحدها، بل تمتد إلى الدول بوصفها الفاعل الرئيسي الآن في المجتمع الدولي.. فالنزاعات المسلحة لم تعد شأنًا داخليًا خالصًا؛ إذ سرعان ما تتجاوز آثارها الحدود الوطنية، مهددة الاستقرار الإقليمي والدولي.. ومن ثم، فإن حماية المدنيين ومنع تفاقم المآسي ليست عملًا إنسانيًا فحسب، بل التزام قانوني وأخلاقي يفرضه القانون الدولي ومقتضيات السلم والأمن الدوليين.
*أما الرسالة الأهم، فهي إلى السودانيين أنفسهم.. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب قد تمنح أحد الأطراف تفوقًا عسكريًا مؤقتًا، لكنها لا تبني دولة ولا تصنع سلامًا دائمًا، وإن استمرار القتال ليس انتصارًا لأي طرف، بل مسار يهدد بتفكيك الدولة وإضعاف مستقبلها.. فالحروب لا تُصنع بالسلاح والمال وحدهما، وإنما بالأفكار التي تمنحها الشرعية وتغذي وهم الانتصار والسيطرة.. إن الصراع حول من يحكم السودان قد ينتهي إلى واقع لا يحكم فيه أحد سودانًا واحدًا، بل أجزاءً متفرقة من دولة أنهكها الانقسام.. فهل هذا هو المستقبل الذي يريده السودان وشعبه؟ وهل يستحق الصراع على السلطة أن يكون ثمنه ضياع وطن كامل؟ فخسارة السودان لن تكون خسارة للسودانيين وحدهم، بل خسارة للاستقرار الإقليمي، واختبارًا جديدًا لضمير المجتمع الدولي ولقدرة القانون الدولي على حماية الإنسان حين يصبح وجوده ذاته مهددًا.
*كاتبة مصرية مقيمة في لندن