حقيقة الصراع حول أبيي(2-2)..المسيرية نقطة الخلاف الرئيسية لإستفتاء أبيي
- السودان: أبيي تتبع إداريا لكردفان منذ عام 1905 بناءا على رغبة زعماء دينكا نقوك
- جنوب السودان: القرار البريطاني بتبعية ابيي للسودان إداري وليس نقل سيادة
- إستفتاء دينكا نقوك عام 2013 غير معترف به دوليا لعدم مشاركة المسيرية
تحقيق ــ التاج عثمان:
القرار السيادي رقم 400 الذي اصدره الفريق اول ركن عبد الفتاح البرهان بتاريخ 3 سبتمبر 2026 اعاد لواجهة الأحداث قضية أبيي المعقدة.. القرار السيادي شكل فريق تفاوضي وطني جديد حول أبيي مع جنوب السودان.. فما دواعي هذا القرار؟.. وما هي ملابسا ت وتفاصيل قضية ابيي؟.. ولماذا يتتنازع عليها حكومتي السودان وجنوب السودان؟.. وما هي أهميتها وطبيعة وضعها السياسي المعقد؟.. وما هي الأسانيد التاريخية والإدارية التي يستند عليها الطرفين المتنازعين؟.. وما المقصود بانها أرض لا يملكها احد؟.. (أصداء سودانية) تجيب على هذه التساؤلات وغيرها عبر هذا التحقيق..
أسانيد السودان:
من خلال الحلقة الاولى تناولنا الوضع السياسي المعقد لمنطقة أبيي غرب ولاية جنوب كردفان، ومن خلال هذه الحلقة الثانية نستعرض الأسانيد التي ترتكز عليها الدولتين المتنازعتين، السودان ودولة جنوب السودان.. فالسودان يستند على تبعية أبيي له على أسانيد إدارية واخرى تاريخية، نوجزها في النقاط التالية:
ــ السند الإداري والتاريخي: فمنذ عام 1905 كانت أبيي تتبع إداريا لكردفان بقرار من الحاكم العام البريطاني، بناء على رغبة زعماء دينكا نقوك انفسهم بهدف حمايتهم من هجمات دينكا الجنوب.
ــ سند التعايش: أبيي منطقة تعايش وتمازج دينكا نقوك والمسيرية الذين يقضون فيها 8 أشهر سنويا منذ 250 سنة، ولهم حقوق تاريخية في مراعي أبيي الخصبة والواسعة.
ــ السند القانونيي: محكمة لاهاي قامت عام 2009 بتقليص مساحة ابيي من 25 ألف إلى 10,546 كلم مربع، وأخرجت حقول النفط الرئيسية بمنطقة هجليج منها لصالح السودان، وهذا يثبت انها ليست أرض خالصة لدينكا نقوك.
ــ سند الإستفتاء: إتفاقية نيفاشا نصت على: يحق للمسيرية وغيرهم من المقيمين بابيي التصويت ايضا في تبعية ابيي وليس دينكا نقوك وحدهم.
أسانيد جنوب السودان:

ــ السند العرقي:حكومة دولة جنوب السودان من جانبها تشير ان سكان أبيي المستقرون بمنطقة أبيي هم دينكا نقوك، بينما المسيرية مجرد رحل عابرين.
ــ السند التاريخي: قبل القرار البريطاني عام 1905 ترى حكومة الجنوب ان ابيي كانت جزءا من بحر الغزال التابعة وقتها للجنوب، وان القرار البريطاني بتبعيتها لحكومة السودان كان قرارا إداريا مؤقتا وليس نقل سيادة.
ــ السند السياسي: زعيم الحركة الشعبية، جون قرنق، نفسه من قبيلة الدينكا ، وقاد أبناء أبيي للقتال مع الجنوب منذ عام 1983، ودفعوا ثمنا باهظا بسبب ذلك.
ــ سند الإستفتاء الشعبي: دينكا نقوك نظموا إستفتاءا شعبيا منفرد عام 2013 ــ غير معترف به دوليا ــ صوت فيه 99,9 في المائة من سكان أبيي الإنضمام لجنوب السودان.
نو مانز لاند:
اما المجتمع الدولي فينظر لمنطقة أبيي بانها (نو مانز لاند)، أي منطقة لا يملكها أحد، لا يستطيع اي طرف ضمها بالقوة إلا بالحرب، والحل الوحيد المتفق عليه دوليا هو إستفتاء نهائي بإشراف أممي، لكن العقبة التي تحول دون إجراء الإستفتاء تتركز في من يحق له التصويت.. فجنوب السودان يرفض مشاركة المسيرية في الإستفتاء لأنهم أصلا ليسو من سكان أبيي، بل رحل لا يحق لهم المشاركة في التصويت في الإستفتاء، ومن يحق لهم هم السكان الاصليون، دينكا نقوك بينما السودان يرى عكس ذلك، بان المسيرية يحق لهم المشاركة في الإستفتاء جنبا إلى جنب مع دينكا نقوك لكونهم من سكان ابيي منذ مئات السنين.. وهذا الخلاف هو الذي عطل قيام الإستفتاء لأكثر من 15 سنة.
أشير أن عبارة (نو مانز لاند) هو مصطلح عسكري وقانوني قديم من الحرب العالمية الاولى، والمعنى الحرفي له حسب قاموس إكسفورد الإنجليزي هو:(المسافة بين خندقي جيشين متحاربين، لا احد يستطيع دخولها لانه سيموت، لأنها ارض لا يسيطر عليها احد فعليا).. اما القانون الدولي فيفسرها:( أنها ارض متنازع عليها ومنزوعة لا تسيطر عليها اي دولة بشكل كامل، ولو دخلها جيش دولة فإن الدولة الأخرى تعتبره إحتلالا فتندلع الحرب بينهما).. وهناك تفسير ثالث يقول: انها ارض بلا سيادة، فالأمم المتحدة تمنع كلا الدولتين المتنازعين حولها ضمها لأراضيها حسب قرار مجلس الامن.. والبعض يفسرها بانها ارض يديرها طرف ثالث مؤقتا، مثل قوة حفظ السلام، وبذلك لا يستطيع السودان إدخال جيشه لابيي، ونفس الوضع ينطبق على دولة جنوب السودان.. فالأمم المتحدة هي من تديرها حاليا بواسطة القوات التابعة لها.
مواطن مزدوج:
إستنادا لإتفاقية نيفاشا 2005 فإن مواطن أبيي الأصلي، دينكا نقوك، يعتبر (مواطن مزدوج)، يحمل الجنسية السودانية بحكم ان ابيي كانت تتبع لكردفان، وفي نفس الوقت يحق له التصويت في إستفتاء جنوب السودان 2011، والحصول على جنسية جنوب السودان، بمعنى ان مواطن أبيي الأصلي هو الوحيد بين السودانيين الذي يعترف به الدستور السوداني، ودستور جنوب السودان معا، كمواطن مزدوج الجنسية.. اما المواطن المسيري الذي يرعى في أبيي فهو سوداني فقط، وجنوب السودان لا يعترف به كساكن اصلي لأبيي، ولا يحق له التصويت في الإستفتاء او الحصول على الجنسية الجنوبية..مثلا لو سافر مواطن من أبيي للخرطوم فإنه يسافر ببطاقة أبيي الخاصة، او وثيقة سفر من اليونسفا، وليس مطالبا بإبراز جواز سوداني لان المنطقة تحت إدارة أممية (اليونسفا).. ونفس الأمر ينطبق عليه في حالة سفره من ابيي إلى جوبا.. فمواطن أبيي الأصلي لديه وضعا خاصا يجعله فوق تصنيف الجوازين السوداني والجنوبي.
على ضؤ الحقائق السابقة، فإن الأمم المتحدة هي التي تدير أبيي فعليا الان منذ عام 2011 وحتى اليوم، ولا تسمح برفع علم السودان وعلم جنوب السودان فوق المباني الحكومي.. وحاليا يرسم السودان في خارطته أبيي داخل حدوده، وكذلك تفعل حكومة جنوب السودان، لكن الأرض لا هذا ولا ذاك يحكمها.
نماذج مماثلة:
لتقريب وضع منطقة ابيي المعقد اكثر، نشير ان هناك نماذج مماثلة في العالم تشبه وضع ابيي، منها على سبيل المثال:
ــ المنطقة العازلة في قبرص، المتنازع عليها بين القبارصة الاتراك واليونانيين، يبلغ عرضها 7 كلم، وتديرها الأمم المتحدة منذ عام 1974
ــ المنطقة المنزوعة السلاح بين بين الكوريتين الشمالية والجنوبية، يبلغ عرضها 4 كلم.
ــ مثلث برمودا السوداني، وهي منطقة تعرف بإسم (إيلمي)، تقع بين السودان وكينيا واثيوبيا، وحتى اليوم لا أحدي يعترف به، ويقع في نقطة إلتقاء حدود جنوب السودان وكينيا واثيوبيا، مساحته 14 ألف كلم مربع، ويطلق عليه ، مثلث برمودا لان لا احد يحكمه، وتحتل كينيا 90 في المائة منه فعليا منذ عام 1950.. وتدعي اثيوبيا انه يتبع لها، وجنوب السودان أصبح يطالب به بعد إنفصاله عن السودان، والأمم المتحدة لا تعترف بسيادة أي دولة عليه.. واطلق عليه ، مثلث برمودا، لأنه في غاية الخطورة من ناحية الوضع الأمني، لحدوث جرائم القتل والنهب بإستمرار داخله.. وتسكنه قبائل، التوركانا، والداسانش، والتوبوسا الكينية، وسبب تسميته بمثلث برمودا الأفريقي، لان من يدخله لا يظهر مرة اخرى، ولا توجد به شرطة او جيش او حكومة تحكمه.
وهناك مصطلح آخر عكس حالة أبيي (الأرض المحايدة)، وهو مصطلح (أرض للجميع)، والمقصود بها القارة القطبية الجنوبية، فهي أرض لا يملكها أحد ولا تتبع لأي دولة، ويسمح لجميع سكان العالم دخولها بدون تأشيرة او جواز سفر لكونها لا تنتمي لدولة بعينها.