مناشير السوكي.. بنك الدولارات الذي أحالته المليشيا المتمردة إلى رماد(2-2)
- ضياع 96% من إنتاج المناشير بسبب حقد المليشيا
- 4,5 مليون دولار خسارة إلغاء عقودات لتوريد فلنكات للسعودية ومصر واثيوبيا وقطر
- 80 % من فحم شواء اللحوم بتشاد مصدره غابات السوكي
- 120 ألف فلنكة من مناشير السوكي لخط سكة حديد (أديس ــ جيبوتي)
تحقيق ــ التاج عثمان:
مناشير السوكي او ما يطلق عليها (بنك الدولارات) صرح إقتصادي كان يرفل الخزينة العامة للدولة بملايين الدولارات من تصنيع فلنكات خطوط السكة حديد والمترو ببعض الدول العربية والأفريقية بجانب السودان.. هذا المرفق الإستراتيجي الهام تعرض أثناء الحرب لنهب وتدمير وحرق مقصود من مليشيا الدعم السريع المتمردة والتي أحالت ملايين الدولارات إلى رماد بما فيها غابات السنط النيلية على النيل الأزرق التي تعد المادة الخام للمناشير.. التحقيق التالي يكشف تفاصيل هذه الكارثة الإقتصادية والخسائر التي لحقت بالإقتصاد السوداني بسببها والجهود الرامية لإعادته لسابق مجده.
السنط السوداني:

فلنكات خطوط السكة حديد التي تصنعها مناشير السوكي، تعد من أقوى الفلنكات في العالم، فعمر الواحدة حوالى 25 سنة في الخدمة، وهي تتحمل ضغط قطارات السكة حديد بحمولاتها المختلفة من بضائع ووقود وأسمنت بجانب الركاب.. ولكونها تصنع من خشب السنط السوداني والذي يعد أقوى أنواع الخشب الأفريقي حيث لا تأكله حشرة الأرضة، ويتحمل الأمطار لمدة طويلة بدون ما يتعرض للتعفن والتآكل.. ومن مميزاته أيضا ان أشجاره تنمو مستقيمة لأن غابات السنط تروى طبيعيا من النيل ولذلك ينتج فلنكات سكة حديد درجة أولى، خاصة أن سعرها أرخص أنواع الفلنكات في أفريقيا بنسبة 60% من فلنكات خشب الكافور الذي تنتجه يوغندا.. ويبلغ طول الفلنكة الواحدة المنتجة من مناشير السوكي من خشب السنط السوداني (2,6) متر، يصل العمر التشغيلي لها حوالى
25سنة.. ولجودة فلنكات السنط التي تنتجها مناشير السوكي ذاع صيتها بالبلاد العربية والأفريقية وكانت الطلبات تنهال عليها قبل الحرب، من بعض الدول العربية عبر عقود وطلبات رسمية منها على سبيل المثال:
ــ المملكة العربية السعودية: إستنادا لتقرير هيئة الغابات السنوي لعام 2023، صفحة (4)، طلبت السعودية عام 2023 ــ قبل الحرب ــ 50 ألف فلنكة سكة حديد لصالح شركة (سار للخطوط الحديدية السعودية)، لمشروع قطار الحرمين، بعقد (900) الف دولار توقفت بسبب إجتياح المليشيا المتمردة للمناشير وما الحقته بها من دمار مقصود، وحسب المعلومة التي تحصلت عليها فإن السعودية دفعت عربون (300) الف دولار عام 2024 لصفقة الفلنكات، وهي تطالب بالتعويض لعدم إلتزام مناشير السوكي بالعقد بسبب إندلاع الحرب.
ــ مصر: كانت الهيئة القومية للسكك الحديدية المصرية تستورد قبل الحرب سنويا (30) ألف فلنكة من السودان سنويا، قيمتها (540) ألف دولار 70% منها من مناشير السوكي، وذلك إستنادا للمناقصة رقم (12/2022)، المنشورة في الجريدة الرسمية المصرية.
ــ قطر: كانت لديها طلبية فلنكات (15) ألف متر مكعب من خشب السنط المقطع، خلال الفترة 2022 ــ 2024 لصالح مترو الدوحة.. توقفت الطلبية بسبب إجتياح المليشيا المتمردة للمناشير والعبث بها.
ــ الامارات: طلبيات كثيرة لشركات أثاث إماراتية بدبي، كانت تطلب (طلح السوكي)، وتفضله لانه شبيهه بخشب (الساج) الذي تستعملة عادة شركات الأثاث بدبي، وأرخص منه.
ــ أثيوبيا: خط سكة حديد (اديس ــ جيبوتي) إعتمد عام 2023 على (120 الف فلنكة من مناشير السوكي، خلال (2020 ــ 2023) بعقد بقيمة (2,16) مليون دولار امريكي، وذلك إستنادا لتقرير للبنك الدولي والخاص بمشروع سكك حديد (اديس ــ جيبوتي).
ــ تشاد: 80% من فحم الشواء في انجمينا مصدره غابات السوكي لجودته في هذا الغرض.
ــ دولة جنوب السودان: طلبت عام 2023 (8) الف متر مكعب خشب ابيض لإعادة إعمار جوبا.
ــ كينيا: طلبت عام 2024 فلنكات لخط السكة حديد (ممبسا ــ نيروبي)، لكن للأسف اتلفتها المليشيا بعد إستباحتها للسوكي والمناشير.
الخسارة التصديرية: حسب المصادر فإن الخسارة التصديرية بعد دمار مناشير السوكي في يوليو 2024 بلغت حوالى (5,4) مليون دولار في السنة، لخسارة عقودات فلنكات السعودية، ومصر، وأثيوبيا، ومترو قطر.
معلومات مؤلمة:
من المعلومات المؤلمة المتعلقة بدمار المليشيا المتمردة لمناشير السوكي، انه قبل الحرب كان اللوري يخرج من السوكي محملا بفلنكات السكة حديد إسبوعيا، سعر فلنكة السنط الواحدة قبل الحرب كان (18) الف جنيه، وبعد تدمير المليشيا المتمردة للمناشير أصبح الموجود من الفلنكات يستورد من الصين بمبلغ (45) الف جنيه للفلنكة الواحدة، ومعروف ان الفلنكات الصينية لا تتحمل الضغط ولذلك تتشقق بعد حوالى سنتين من الإستخدام.
بعد هجوم الدعم السريع على السوكي في يوليو 2024 وحرقها لأربعة مناشير كبيرة من أصل 6 مناشير، هزمت إدارة مناشير السوكي مخطط الدعم السريع ونجحت في إعادة تشغيل منشار كبير واحد بطاقة 20%، والإنتاج الحالي يبلغ حوالى (240) فلنكة شهريا، مخصصة للسوق المحلي فقط، يعني الفاقد حوالى 83 ألف و520 فلنكة في السنة، بمعنى ان 96% من إنتاج مناشير السوكي ضاع بسبب حقد المليشيا المتمردة.. حيث ان سكك حديد السودان وحدها تستهلك 60 ألف فلنكة سنويا لصيانة خطوط السكة حديد الخاصة بها، وكانت تغطي حوالى 90% من إحتياجات سكك حديد السودان، مثلا خط السكة حديد (السوكي ــ سنار)، وطوله (45) كلم يحتاج إلى (75) الف فلنكة، قامت مناشير السوكي بإنتاج جميع فلنكاته قبل الحرب.. ومعلوم ان الفلنكة الواحدة توضع كل (60) سم في خط السكة حديد، وبعملية حسابية بسيطة نجد ان الكيلو متر الواحد الجديد يحتاج على (86) ألف و (400) فلنكة بطول (51,8) كيلو متر سكة حديد جديد كل سنة، وبعد عبث المليشيا المتمردة بمناشير السوكي وبنياتها التحتية أصبح المتاح من إنتاج الفلنكات (2) ألف و(880) فلنكة فقط، تعادل (1,7) كيلو متر فقط في السنة.
من المعلومات المؤلمة الأخرى، ان السودان فقد (26) ألف و(400) فلنكة سنويا كانت تصدر إلى السعودية ومصر واثيوبيا.. فكما اشرنا فإن مناشير السوكي كانت تنتج قبل الحرب (7) ألف و(200) فلنكة شهريا، أي حوالى (86) الف و (400) فلنكة سنويا، إنخفض الإنتاج الان بعد إستباحة المليشيا للمناشير إلى (240) فلنكة شهريا، وهذا من اسباب توقف العمل في خط السكة حديد (السوكي ــ سنار)، وأيضا جعل مصر والسعودية تحول طلباتها من فلنكات السكة حديد من مناشير السوكي، إلى الهند وغانا، ما يمثل خسارة كبيرة للإقتصاد السوداني.. وهناك بارقة أمل تتمثل في المجهودات الجادة التي تبذلها حاليا إدارتي الغابات الإتحادية والولائية بولاية سنار وعزمهما تأهيل مناشير السوكي وإعادتها لسابق عهدها لخدمة الإقتصاد السوداني.. نختم التحقيق الصحفي بالقول: (الدعم السريع لم يحرق أخشابا بل حرق إقتصاد دولة).