في كرري.. جلسات أم درمان الثقافية ترمم ما خلفته الحرب
إعداد – زلال الحسين:
الآن تسكن المدافع في الخرطوم ، يعلو صوت الإنسان.. وفي محلية كرري بأم درمان، لا تعلو أصوات إلا أصوات العود والشعر.. كل مساء، يلتئم جمع من الشباب في ساحات الأحياء، ليحيوا تقليداً سودانياً أصيلاً جلسات السمر الثقافية.. لا منصة هنا، ولا أضواء كاشفة، بل قلوب أنهكها الغياب فاختارت أن تغني بدل أن تشكو.
هذه الجلسات على بساطتها، فلا كراسي فاخرة ولا تذاكر دخول.. بنابر خشبية، وآلة عود، ودفتر صغير يحمل قصائد كتبها أبناء الحي. يبدأ العازف لحناً هادئاً، فينهض شاب من الحضور ليقرأ أبياتاً تصف حال المدينة وصبر أهلها.
لا تقدم هذه الجلسات الشعر الغنائي الراقص، بل تقدم شعراً وثائقياً يوثق المرحلة.. كلمات تدعو إلى الصبر، وتبث الأمل، وتؤكد أن الحياة أقوى من الخراب.. كما أفاد أحد الموسيقيين المشاركين في محلية كرري، فإن الأغنيات المقدمة في هذه الأمسيات تعكس مشهد الحرب، وتدعو صراحة إلى السلام ونبذ القتال.
تتميز هذه الأمسيات بأنها لا تنتظر شاعراً مشهوراً.. فالشعر هنا شعبي، يخرج من دفاتر الشباب، ويحفظه الحاضرون ويرددونه.. إنه شعر الشارع، بلا أسماء كبيرة، لكنه يملك صدقاً كبيراً يلامس وجدان كل من يستمع إليه.
هكذا تعود أم درمان إلى الحياة.. لا بضجيج الاحتفالات، بل بهمس القصيد.. ببيتين من الشعر، وضربة عود، وابتسامة شباب تقول للعالم إن المدينة ما زالت قادرة على الإبداع.. فربما كان الشعر هو أول لبنة في طريق إعادة إعمار ما هدمته الحرب.