
موتيفة المجذوب بين الطيب صالح وأسامة أنور عكاشة
عماد البشرى
يبدو عجيبا ومعقدا تحليل فكرة المجذوب أو ماعرف شعبيا بالدرويش في الأعمال الأدبية العربية والتعقيد يتسع أكثر عندما نقف عند أعمال كتاب كبار مثل الطيب صالح وأسامة أنور عكاشة واستخدامهم لموتيفة المجذوب كاحد الدلالات المؤيدة لفكرة النص الأدبي مع استخدام التناقض الموجود للشخصية نفسها داخل السرد والمسرح الكتابي للعمل الروائي .
قديما احتفى الطيب صالح في رائعته (عرس الزين) بشخصية المجذوب وهو الزين نفسه، وكان الاحتفاء في اضفاء مشاهد عجيبة للزين منذ الميلاد وخروجه بلا أسنان سوى اثنين وابتسامته العجيبة وتعلقه الغريب بحسناوات البلد وكيف أنه صار سعدهم فمجرد تلفت قلب الزين إلى إحداهن حتى يظهر خاطبا أخر لها ورسم الطيب صورة عميقة له بدعوة الامهات للزين ليصير كالسمسار الذي بتداول اعجابه بفلانه يظهر لها العريس القادم .
لكن الزين وغيره في أعمال الطيب لم يكونوا مجرد مجاذيب فقط بل هم رسل اصلاح وأهل رؤية ثاقبة لماورايات المكان وهم من يطلقون انذارات مبكرة ليصحوا الناس من غفلتهم وينتبهوا لما هو قادم
أما اسأمة أنور عكاشة فالمجذوب عنده كالطيب صالح يحمل البشرى ويخبر من الأسرار مالايراه العامة وظلت موتيفة المجذوب حاضرة في كل أعمال أسامة من (أبواب المدينة) و( المشربية) و( أرابيسك) و( زيزينيا)
وغيرهم كلها أعمال احتفت بالمجذوب واصبح له أشكال وقضايا مختلفة مثل المجذوب العاشق للخلق والجمال الالاهي مثل الشيخ عبدالفتاح ضرغامي في زيزينيا أو المجذوب الذي يقراء مايبطنه الأشرار بالفتوح الالاهية مثل موتيفته في المشربية أو المجذوب الذي ينير الطريق بمصباح الوصية مثل المغربي في أرابيسك .
هنا يطل سؤال مهم ماسر التواصل بين الطيب كرمكول وكفر الشيخ وكليهما منبع الكاتبين الطيب صالح وأسامة أنور عكاشة ، والاجابة سهلة في أن مسرح الرؤية البصرية عند المنطقتين قائم على فكرة التدين المصحوب بالحركة والأذكار والاوراد وليالي الانشاد ومنها تنطلق ملامح هؤلاء الدراويش ويظهر الصراع الاجتماعي حسب معتقد الناس ومدى تصديقهم لصلاح هذا المجذوب ولعل السبب الحقيقي في عدم التصديق عدم حرصه على مغازلة عرض الدنيا والزهد عنها ليصبح مطلبه فقط قرشا أو مجرد دعوة طعام زاهدة لاتشبع اصلا .
إن جغرافية النشأة عامل مهم في الخطاب الروائي لأن الذاكرة البعيدة دوما تتحرك أثناء السرد والتوصيف
رحل الطيب صالح ورحل أسامة أنور عكاشة لكن تبقى موتيفاتهم المجذوبة بيننا تظهر في حياتنا بين الفينة والأخرى ونسال أنفسنا من فيهم يطابق الزين أومن يطابق المغربي أو الضرغامي وربما نتمنى في اعماقنا أن ننسحب مثلهم ألى عوالم بلا صراع ولا خوف ولا قلق ونلقى محبة الله صادقين