بورتسودان .. مدينة تحت خط العطش(4-4)
- الطبوغرافيا المعقدة تسببت في فشل إرواء ظمأ بورتسودان من النيل
- تفاصيل إتفاقية وزارة المالية والبنك الأفريقي للتنمية لتوفير المياه لبورتسودان
- لماذا تعثر مشروع بارجة التحلية التركية التي تنتج 25% من إحتياجات بورتسودان من المياه؟
- تأهيل سد سلالاب ورفع سعته التخزينية من الحلول العاجلة لعطش مدينة الثغر
(الصور)
الباخرة التركية التي كانت تمد بورتسودان بالكهرباء.. لماذا غادرت؟
عقبات فنية حالت دون تغذية بورتسودان بالمياه من خزان خشم القربة
تحقيق ــ التاج عثمان:
إقتصاد العطش أخطر من إقتصاد الحرب كلاهما مُر وقاسي على المواطنين خاصة الفقراء.. إقتصاد العطش مصطلح إقتصادي تولد من رحم العطش وترعرع بمدينة بورتسودان عاصمة ولاية البحر الأحمر ونتج منه مصطلح آخر يعرف بـ(أثرياء العطش).. شبكات او بصريح العبارة (مافيا) تسيطر على تجارة المياه العذبة ببورتسودان ومدن البحر الأحمر الأخرى.. أثناء زياراتي الصحفيةالمتكررة لمدينة الثغر كان محور إهتمامي دائما أزمة المياه ببورتسودان وعبرها تحصلت على معلومات غريبة لا تصدق عن إمبراطورية التناكر والكاروهات.. مافيا المياه تسعى بكل ما اوتيت من جشع الإبقاء على بورتسودان مدينة تعيش تحت خط العطش.. أسئلة وتساولات يحاول التحقيق التالي الوصول لإجابة شافية ومقنعة لها: لماذا فشلت الحكومات المتعاقبة في إرواء ظماء بورتسودان؟.. وما طبيعة الحلول العاجلة لإحتواء إشكالية المياه الملتهبة والتي أحرقت سكان المدينة العطشى؟.. وهل تفلح مساعي وزير المالية جبريل إبراهيم الأخيرة في إحتواء مشكلة المياه المزمنة ببورتسودان ولو مؤقتا؟
النيل وخشم القربة:

كان هناك إقتراح لمشروع لتغذية مدينة بورتسودان بالمياه العذبة من النيل من عطبرة، لكنه فشل للأسباب التالية حسب بعض الفنيين:
ــ بعد المسافة من عطبرة لبورتسودان والتي تبلغ حوالى (400 ــ 500) كلم، عبر خط انابيب يمتد عبر الصحراء، وهو مكلف جدا حسب الدراسات التي أجريت، حيث انه يحتاج إلى مضخات لرفع المياه للمناطق المرتفعة التي يجتازها خط الانابيب.
ــ الطبوغرافيا التي يجتازها الخط من عطبرة إلى بورتسودان معقدة، حيث يجب رفع المياه ببعض مسارات الخط إلى (350) متر عند خشم القربة لمرتفعات البحر الأحمر.
ــ التمويل: الدراسات العلمية لحل مشكلة مياه بورتسودان لم تجد الاهتمام الكافي من الحكومات السودانية المتعاقبة والتي ظلت حبيسة أدراج المسؤولين.
ــ التدخلات السياسة: حيث هناك بعض الجهات السياسية ذات المصالح تعرقل خط النيل لأسباب سياسية.
وهناك مقترح لتوصيل المياه لبورتسودان من نهر عطبرة وستيت عبر خزان خشم القربة، وهو خط انابيب يمتد من خزانات المياه باعالي نهري عطبرة وستيت ليصل خزان خشم القربة، ويمتد مساره مجتازا منطقة البطانة ومنها إلى بورتسودان.. وتبلغ طاقة الخط المقترح حوالى (150) الف متر مكعب في اليوم.. ومن مميزات مسار خط خشم القربة بورتسودان، مروره بمناطق كثيرة عطشى هي الأخرى، منها: (هيا ــ سنكات ــ اربعات ــ سلالاب ــ ديم النور)، ونهاية الخط في خزانات بديم النور وسلالاب ببورتسودان.. والعقبات الفنية التي يقال انها تسببت في التخلي عنه، وجود فرق منسوب من (350) متر إلى (800) متر، ثم النزول (5) متر، ولذك فإنه يحتاج إلى (4) محطات ضخ عملاقة كل واحدة (25) ميجاوات، وانابيب بقطر (1200) ملم صلب مغطى بالخرسانة لتتحمل ضغط (40) بئر، ويحتاج لتمويل (1,8) مليار دولار حسب سعر عام 2023
بارجة التحلية التركية:
بارجة التحلية التركية المتنقلة، تعد أحد الخيارات الحكومية للحكومة، بإنتاجية (50) ألف متر مكعب في اليوم، تمثل حوالى (25%) من إحتياجات بورتسودان من المياه، لكن الباخرة تحتاج إلى (25) ميجاوات كهرباء للتشغيل، لا تتوفر في شبكة بورتسودان.. ومحطة التحلية التركية تعمل بتقنية (التحلية بالتناطح العكسي)، وتستهلك 70 طن وقود يوميا، قيمتها تقدر بنحو (60) الف دولار يوميا.. ويبلغ إيجارها (2,5) مليون دولار شهريا، إضافة إلى (40) مليون دولار تأمين.. ومدة العقد 5 سنوات، بمعنى ان الإيجار في الخمس سنوات يصل إلى حوالى (150) مليون دولار.. ولكن لماذا توقف مشروع او صفقة باخرة التحلية التركية في يونيو 2026؟
وحسب مصادرنا الموثوقة أن بارجة التحلية التركية لم تصل ميناء بورتسودان حتى يونيو الحالي،وذلك يعود لتراكم الديون المستحقة للشركة مالكة الباخرة، وهي شركة (كارادينيز هولدينغ) والتي تطالب الحكومة السودانية بمبلغ (130) مليون دولار مستحقة لها من باخرتها التي كانت تغذي مدينة بورتسودان بالكهرباء.. وحتى لو تم التعاقد مع باخرة التحلية التركية فهي تحتاج للكهرباء من الشبكة العامة وهذا لا يتوافر حاليا وكثيرة القطوعات.. وشركة (كارادينيز هولدينغ)، هي نفس الشركة مالكة الباخرة التي تمد بورتسودان بالكهرباء والتي ترسو في ميناء بورتسودان منذ عام 2018 ولديها اسطول بوارج تحلية كثيرة بدول أخرى.
مساعي جبريل:

مجهودات الحكومة الحالية لم تتوقف، فحسب اعلام وزارة المالية السودانية، كان هناك اجتماع في أكتوبر برئاسة وزير المالية والتخطيط الإقتصادي، د. جبريل إبراهيم، بحث المعالجات الآنية والمستقبلية لحل مشكلة مياه بورتسودان، حيث اكد وزير المالية إلتزام الوزارة بالتمويل اللازم لتوفير الآليات المطلوبة لعمليات المعالجة الآنية، وتذليل العقبات التي تعترضها.. بجانب مساعي الحكومة لإستقطاب تمويل خاص بمياه بورتسودان من مؤسسات تمويل إقليمية، منها البنك الأفريقي للتنمية، والمركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة (وأكساد)، والذين ابدوا رغبتهم المشاركة في إعادة تأهيل مياه بورتسودان.. من جانب آخر، أشير، ان اليونسيف سبق ان أبدت رغبتها المشاركة في حل مشكلة مياه بورتسودان بإنشاء (10) محطات تحلية صغيرة بتكلفة (15) مليون دولار، وهي تكلفة أقل من تكلفة بارجة التحلية التركية بنسبة 30 %
وتحصلت الصحيفة مؤخرا على معلومات مهمة في هذا الجانب، حيث وقع د. جبريل إبراهيم، وزير المالية، مع البنك الأفريقي للتنمية، ومنظمة اليونسيف، على إتفاقية لإعادة هيكلة محفظة مشاريع المياه المتعثرة وتحويلها لمشروع طوارئ مياه وصرف صحي ببورتسودان، بجانب ولايتي شمال وجنوب كردفان بمبلغ 51 مليون دولار، بتمويل من البنك الأفريقي للتنمية.. ويهدف المشروع توفير مياه شرب آمنة، وخدمات صرف صحي أساسية لحوالي 600 الف شخص بمدينة بورتسودان، منهم 233 الف نازح من ولايات أخرى.. كما يتضمن المشروع حسب (تسامح نيوز) مصدر هذا الخبر الهام، تأهيل أبار سد اربعات وشبكات النقل التي تعطلت بسبب إنهيار السد عام 2024، وإنشاء محطة تحلية بسعة 10 ألف متر مكعب،إضافة لتأهيل خزانات بالكيلو 14
الحلول العاجلة:
تراجيديا العطش والتي وقفت ميدانيا على كافة تفاصيلها تصل لمرحلة المأساة بحق وحقيقة، فإنسان البحر الأحمر نفذ صبره من مشاريع وأفكار ومقترحات ودراسات الحلول لمشكلة العطش بمدينة بورتسودان ومدن البحر الأحمر الأخرى، (فكلهم في العطش سوا).. إنسان البحر الأحمر الذي يلهث يوميا وأصبح شغله الشاغل البحث عن جرعة ماء لأطفاله وأسرته، يتطلع لحلول إسعافية عاجلة لإنقاذه من العطش لحين إكتمال الحلول الآنية المستقبلية .. عموما هناك حلول عاجلة قررت الحكومة السودانية العمل بها كحل إسعافي لإرواء ظمأ بورتسودان، تتمثل في الحلول التالية:
ــ تأهيل سد سلالاب، ورفع سعته التخزينية بالتعاون مع اليونسيف.
ــ إكمال خط الإمداد من سد دم حتى بورتسودان.
ــ حفر آبار جديدة شرق مدينة بورتسودان.
ــ إنشاء محطات تحلية صغيرة بطاقة (1000 ــ 3000) متر مكعب يوميا.