
العقلية السياسية السودانية … الخير ونقيضه
بُعْدٌ .. و .. مسَافَة
مصطفى ابوالعزائم
*العقلية السياسية السودانية التقليدية ، خلافيّة ومعقدة، ويعتبر الإنشقاق عن الأصل دائماً، هو الحل السهل لدى المختلفين مع قياداتهم، وكذلك كان الحال في المؤتمر الوطني، الحزب الذي حكم لأطول فترة في بلادنا، لأن هناك عدداً ممن يحسبون قياديين فيه كانوا لا زالوا يحملون العقلية التقليدية (الخلافية) التي تلجأ لأقرب وأسهل الحلول، أي إعلان الإنفصال والإنشقاق وتكوين كيان جديد.
*مذكرة إصلاحيي الوطني التي حملت توقيعات واحدٍ وثلاثين عضواً في الحزب، من بينهم سبعة نواب برلمانيين، حملت من العبارات ما يفيد بتطرف الموقّعين عليها، وأنهم (كل الخير) وغيرهم (كل الشر)، وهي مذكرة تشبه المعارضة العقائدية الحادة ، لا تشبه أعضاء في حزب يأملون في إصلاحه، إذ حملت كلمات ذات دلالات معينة ونقيضها في تصوير الإصلاحيين وغيرهم ممن يقودون الحزب آنذاك، العبارات ذات الدلالة كانت مقابلة ما بين الأضداد مثل (الإصلاح والفساد)، و (الحرية والإستبداد) و (الحق والباطل) وغيرها.
*لم يغب عن أذهان كثير من المراقبين الذين يتابعون حركة التاريخ السياسي في السودان، أن المؤتمر الوطني هو (حزب المذكرات)، بدءاً من (مذكرة الألف آخ)، مروراً بمذكرة (السائحون)، إنتهاءاً بمذكرة (الواحد وثلاثين أخ)..لكن تظل مذكرة العشرة هي أقوى المذكرات أثراً وأعلاها شأناً ، لأنها حسمت أمر القيادة في الدولة الحزب، ولم يعد بعدها الشيخ الدكتور حسن الترابي – رحمه الله – صاحب سطوة وقرار ينفذ فوق الجميع، وتتوارى أمامه كل القرارات الرسمية.
*قطعاً ما كان الدكتور غازي صلاح الدين، ولا الدكتور فضل الله أحمد عبدالله، ولا الأستاذ حسن رزق، ولا أي ممن أخذته معهم مركب الإصلاح ، لن يكونوا أعلى كعباً أو كسباً من الشيخ الدكتور حسن الترابي، الذي تدين له الحركة الإسلامية ونظام الإنقاذ، بالفضل في تأسيسها وتطوير مفاهيمها وأفكارها وأساليبها ووسائلها في العمل السياسي، ومع ذلك عندما واجه المؤتمر الوطني، وهو واجهة سياسية لنظام الحكم تعتبر الحركة الاسلامية أقوى مكوناته ، نقول إنه عندما واجه المؤتمر الوطني قضية المؤسسية، وجعل ما للدولة لرئيس الدولة وما للحزب لرئيسه، لم يكن أمامه خيار سوى الإنحياز للدولة ـ كدولة ـ والتضحية بالشيخ الأب المؤسس ، لأن المشروع الذي قامت من أجله الدولة في السودان بعد الإنقاذ ، أصبح في مهب الريح ، في أعين حداته ورعاته من الجيل الذي تلا جيل الشيخ الترابي.
*خرج الشيخ حسن الترابي، وأسس حزباً إفتقر إلى الجماهيرية التي تنشأ في كنف السلطة للذين يريدون التقرب لها، تلك الجماهيرية التي يتمتع بها حزب المؤتمر الوطني، رغم ركائزه القوية .. وسبق أن أعلن (الإصلاحيون) خروجهم وتأسيسهم لحزب جديد، ما رأى كثيرون إن في الأفق ما يجعله حزباً جماهيرياً كاسحاً ، لأن حداته ورعاته كانوا جزءاً من منظومة (فاسدة) كما يزعمون ظلت تحكم لفترة تجاوزت ربع قرن من الزمان ، لم يكلّف أيٌ من الإصلاحيين نفسه بأن يقول (بغم) في وجه التسلط والقهر والإستبداد والفساد ـ أو كما قالوا في مذكرتهم تلك ، التي لم تكن إلا تعبيراً عن حنق وغيظ وغبن شديدع، إذ يقول بعض الإصلاحيين إنه (مستهدف) منذ وقت بعيد ، وهو إستهداف لا أساس له من المنطق.
*لجأ الإصلاحيون إلى الخطة (ب) ، لأن الخطة (أ) في عالم السياسة تعني إستخدام الحوار والنقاش للوصول إلى الهدف ، وإلا فإن الضرورة تقتضي وتحتّم إستخدام الخطة (ب) وهي اللجوء إلى أسلوب تفكيك وضعضعة النظام .. بالخروج عنه وعليه ، واللجوء إلى خصومه مع حمل كل الملفات السرية إلى هناك.
*ماذا كانت النتيجة ؟ مزيد من الضعف وإنهاك الدولة التي يخشى الحادبون عليها من التفكك والإنهيار، لولا تماسك قواتها المسلحة وأجهزتها الأمنية ، التي أضحت الآن هي الممثل الرسمي لدولة تواجه التآمر داخلياً وخارجياً وتستمد قوتها من السند الشعبي الكبير.