
فوارق طفيفة
خارطة الطريق
ناصر بابكر
. بعيد عن الجوانب التنظيمية والإدارية التي يتفوق فيها بسنوات ضوئية على الدوري السوداني، في ظل النظام الذي تُدار عبره الكرة الرواندية، من خلال الإتحاد ورابطة الدوري، وبعيد عن معيار البنى التحتية، الذي يعكس حجم اهتمام الدولة الرواندية بالرياضة، ووجود رؤية واضحة للكيفية اللازمة لتطويرها، من خلال توفير بنى تحتية مهيأة.. فإن الدوري الرواندي يتفوق فنيا على الدوري السوداني بشكل كبير، حتى في نسخ الدوري المحلي ما قبل الحرب، وليس فقط بعدها، حينما تحول النشاط في السودان، إلى نشاط صوري لا أكثر.
. واحدة من النقاط التي تميز الدوري في رواندا، قدرة أي فريق أيا كان ترتيبه، على تعطيل أي منافس، بما في ذلك أندية المقدمة، والأمر يشمل بطبيعة الحال، فريق الجيش، الذي فاز باللقب طوال السنوات الماضية، وكذلك غريمه التقليدي رايون سبورت.
. إذ أن الجيش الذي يعتبر أعلى فريق رواندي في الترتيب، فقد خلال الموسم الحالي (31 نقطة) بعدد (11 تعادل وثلاث هزائم).. في وقت فقد فيه رايون سبورت (42 نقطة) بواقع (12 تعادل وست هزائم)، بينما فقد كيوفو ثالث الأندية الرواندية في الترتيب (43 نقطة) وفقد البوليس رابع الأندية الرواندية (44 نقطة).
. معدل فقدان أندية القمة الرواندية للنقاط، معدل كبير، ونادر أن يحدث في الدوري السوداني، بالنسبة لفريقي القمة المريخ والهلال.
. تلك النتائج، تعكس حجم الإهتمام الكبير في كل الأندية، والتخطيط الجيد للتطور بشكل جماعي، وعبر رؤية واضحة المعالم، وخطة محددة بدقة للنهوض في كرة القدم، كما حدث في تنزانيا، والعديد من دول شرق ووسط القارة، التي بدأت من القاع، لكنها تمضي للأمام بخطى حثيثة، من خلال اتباع الخطوات المطلوبة للتطور.
. في تقديري، فإن نتائج الدوري الرواندي، تعود لوجود نشاط منتظم لكل الفئات السنية، ودوريات تلعب بإنتظام، من فئة (U 14) و (U 17) و (U 20)، مع دوري منتظم للفرق الرديفة، وهو نشاط يساعد على تأسيس الصغار تأسيس سليم، مع التدرج المطلوب، من مرحلة لأخرى، وبالتالي حينما يصل اللاعب للدوري الرواندي الممتاز، يصل وهو يمتلك أساسيات اللعبة، مع تأهيل بدني سليم، وهو وضع يقلل الفوارق بين الأندية، ويمنح كل فريق القدرة على تعطيل الآخر.
. النقطة الأخرى التي تثير الإنتباه، وجود لاعبين أجانب في كل الأندية، بما في ذلك أندية الذيلية، وبعدد كبير في أندية المقدمة والوسط، واعداد ما بين ثلاثة وخمسة أجانب في أندية المؤخرة، مع ملاحظة امتلاك جل الأجانب بما في ذلك الذين ينشطون في أندية الذيلية لقدرات جيدة، وتلك النقطة غير معتادة بالنسبة لنا في السودان، حيث يقتصر وجود الأجانب على القمة، أو بعض الأندية التي يشرف عليها رؤساء سابقين للقمة مثل أهلي شندي في حقبة صلاح إدريس، أو الأهلي مدني في حقبة القنصل الحالية، أو الأندية التي كانت تحظى برعاية حكومية مثل الخرطوم الوطني وهلال الأبيض، وما عدا ذلك، فإن وجود الأجانب يكون بإعداد قليلة للغاية، ودرجة تأثير متدنية.
. الوضع في رواندا، يعكس حجم الإهتمام بكل الأندية، سواء من الحكومات المحلية، أو وجود توجه عام نحو الاستثمار في الرياضة، وفي كرة القدم بشكل خاص، وهو ما ينعكس إيجابا على المنافسة، ويرفع درجة الإثارة.
. الأندية الرواندية سبق لها التتويج خمس مرات ببطولات سيكافا عبر أندية الجيش ورايون واتراكو، لكن المشكلة التي تواجه الأندية الرواندية حتى الآن، تتعلق بالبطولات الأفريقية، وهي مشكلة تتعلق بشكل كبير بمشكلة التصنيف ومعدل النقاط التراكمية، لأن فريق مثل الجيش مثلا، الذي يعيش استقرار إداري ومالي كبير، ويتعاقد مع أجانب بجودة جيدة للغاية، ظل يصطدم في التمهيدي على مدار موسمين على التوالي بفريق بيراميدز المصري، بينما يعاني رايون وهو الفريق الأكثر شعبية وجماهيرية من مشكلة عدم استقرار تؤثر عليه سلبا، رغم امتلاكه لعناصر مميزة وعدد كبير من الأجانب الجيدين.
. الهلال الذي يتصدر الدوري يقترب من التتويج الشرفي، فقد في الدوري الرواندي (20 نقطة) بواقع (أربع هزائم وأربعة تعادلات) رغم أنه يبني فريقه منذ ست سنوات، ويمتلك أكبر عدد لاعبين أجانب، وأكبر عدد لاعبين دوليين، وأصحاب خبرات، بجانب عامل مهم وفارق بشكل كبير، وهو نسقه العالي من خلال الاحتكاك المنتظم منذ سنوات بنخبة الأندية الأفريقية كل عام، وهي نقطة تجعله أكثر نضج وتمرس وأعلى بدنيا بشكل كبير من بقية الأندية، لأن الاحتكاك الأفريقي المتواصل كل عام بأندية النخبة، يرفع الجانب البدني لأعلى قدر، وبكل تلك المميزات، ونقاط الأفضلية التي يفترض أن تجعل مثل الدوري الرواندي مهمة سهلة وفي المتناول، فقد الهلال 20 نقطة.
. لذا، فإن تلك الدوريات التي نقلل من شأنها، ونصفها بـ(الضعيفة)، هي دوريات متطورة، ومفيدة لأنديتنا، وتمثل على الأقل فرصة بالنسبة لنا، للتأمل والوقوف عن قرب، لما تفعله دول شرق ووسط القارة، من أجل النهوض في كرة القدم، سواء عبر اهتمام الحكومات، أو العمل المنظم للإتحادات والأندية، عبر بيئة احترافية، ورؤية واضحة ومحددة.
. فريق مثل اتنسيلز الذي يواجه المريخ اليوم، يحتل الترتيب الثالث من الأسفل الـ(16)، لكن من المفارقات انه هُزم في عشر مباريات فقط، بينما لم يخسر في (19 مباراة) حيث تعادل في (15 مباراة) وفاز في أربعة، وهو رقم يعكس قدرة أندية الذيلية على تعطيل أي منافس، مع الإشارة لأن اتنسيلز انتصر على الجيش قبل ثلاث جولات، وتعادل مع رايون ومع البوليس. واللافت أن ما يفصل أندية الذيلية عن أندية الوسط لا يتجاوز (10_13 نقطة) ولا يتجاوز (20 نقطة) عن الأندية التي تنافس على التأهل للكونفدرالية، وبالتالي الفوارق ليست كبيرة، بسبب التأسيس الجيد للاعب الرواندي، والاهتمام الكبير بكل الأندية الذي يجعل كل نادٍ في رواندا قادر على التعاقد مع لاعبين أجانب.
. لذا، فإن التعامل بجدية مع كل مباراة، واحترام المنافسين، أمر مطلوب بشدة، خصوصاً وأن دوافع المنافسين أكبر، لأنها دوافع تنافسية حقيقية وليست شرفية، بين من يقاتل بقوة للبقاء، وبين من ينشد التمثيل الأفريقي، دون إغفال الدافع الإضافي عند مواجهة المريخ والهلال.