
زلزال الانشقاقات… تحول الخريطة العسكرية ومستقبل حسم المعركة
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
*تُشكل الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة نقطة اختبار حقيقي لمدى التماسك الداخلي للتنظيمات والمليشيات.. وفي المسار الميداني الحالي لمعركة الكرامة الوطنية في السودان، تظهر تحولات جليّة في موازين القوى والتكتيكات العسكرية، حيث تؤكد المعطيات والفعاليات الإعلامية والتنويرية المتواترة أن الخريطة الميدانية تقف على أعتاب مرحلة مفصلية عنوانها الأبرز التفكك الداخلي لصفوف المتمردين وإعادة رسم التحالفات الوطنية.
*تُبين التطورات الميدانية والشهادات الواردة من داخل أروقة المليشيات المتمردة أن البناء التنظيمي لهذه المجموعات أضحى يمر بمرحلة التردي والانهيار غير المسبوق.. فقد انكشفت الزيف المعنوي والشعارات الجوفاء حول العدالة وحقوق الإنسان التي رُفعت في بداية التمرد.. وما يجري اليوم على الأرض يعكس حالة من الانقسام القائم على النهج القبلي والعنصرية والمعاملة الانتقائية، مما أدى إلى تغذية الانشقاقات والانسحابات من صفوف المليشيا.
*إن خروج قيادات بارزة وضباط من جسم المليشيا وانضمامهم للشرعية الوطنية ليس مجرد حادث عارض، بل هو نتيجة لعمل متراكم واستراتيجية تهدف إلى التفكيك التدريجي للتمرد من الداخل. وتُظهر الشهادات الصريحة للكوادر المنشقة حجم الندم والاعتذار للشعب السوداني عن الانتهاكات الممنهجة والتدمير غير المسبوق الذي طال البنية التحتية والمؤسسات الوطنية.
*من أبرز التداعيات الاستراتيجية لهذه الانشقاقات كشف الغطاء عن طبيعة القرار داخل المليشيا؛ إذ أثبتت التطورات أن القيادة الميدانية المتمردة لا تملك قرار الحرب أو السلام، بل تُدار وتُوجّه عبر رغبات أجندات دولية وإقليمية معروفة تسعى لزعزعة استقرار البلاد.
*أدى كشف هذه الحقيقة إلى إحداث صدمة لدى العديد من أبناء الوطن الذين تم التغرير بهم تحت دعاوى ومبررات واهية.. وبات من الواضح لدى الرأي العام أن الولاء لا بد أن يكون للوطن وسيادة القانون ومؤسسات الدولة المؤسسية وعلى رأسها القوات المسلحة الوطنية التي قدمت التضحيات والشهداء لحماية المدنيين وصون كرامة الأمة.
*تؤكد الرؤى الاستراتيجية أن مناهضة مشروع التمرد والعبث بالدولة لا تتأتى إلا بتضافر كافة الجهود الشعبية والرسمية.. وهنا تجسد المقاومة الشعبية المسلحة اللبنة الأساسية في دحر المليشيا، حيث انطلقت شرارة الرفض الشعبي لمشروع التمرد منذ لحظاته الأولى رغم المضايقات والتهديدات.
*هذا التكامل المتين بين إرادة الشعب والجاهزية العسكرية للقوات المسلحة وضع المليشيا في أضعف حالاتها الميدانية.. ومع تتالي الهزائم على أرض المعركة وفقدان زمام المبادرة، لم يعد أمام الإعلام المضاد للتمرد سوى اللجوء إلى بث الشائعات والحرب النفسية لمحاولة تعويض الخسائر الميدانية والانكسارات النفسية المتلاحقة.
*إن تداعيات هذه الانشقاقات تتجاوز حدود المكاسب الميدانية المباشرة لتضع معالم مرحلة ما بعد التمرد بتأمين إعادة الإعمار والعودة الآمنة، يفتح انهيار المليشيا الباب واسعاً لعودة الأسر النازحة واللاجئة إلى ديارها بعد كف أيدي الانتهاكات والتدمير الممنهج، وترسيخ مبدأ سيادة القانون: إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة والقانون وتحكيم المصلحة الوطنية العليا فوق الأجندات القبلية والفئوية، وتكريم الشهداء ورعاية المصابين: إعلاء قيم التضحية الوطنية والوفاء لدماء شهداء الكرامة، والعمل الدؤوب لكشف مصير المفقودين ورعاية الجرحى والمصابين.
*إن الانهيار المتسارع لصفوف المليشيا، والانحياز الواعي للقيادات والأفراد إلى جانب القوات المسلحة والمقاومة الشعبية، يمثل الإشارة الأوضح على قرب حسم المعركة الوطنية وتصفية آثار التمرد، ليظل الوطن هو الأساس والمرجعية الأولى والأخيرة لكل أبنائه.