أشهر الجرائم والقضايا السودانية (تحقيق)
- جدل فقهي قانوني حول زواج القاصرات
- أب يزوج إبنته وعمرها 14 سنة لشرطي أربعيني بالنظام العام!
- *محامي الدفاع: البنت بالغة وهي بذلك ليست قاصرا وعقد النكاح صحيح
- *محامي الإدعاء: بلوغ البنت يحدد بعمر 18 سنة وليس بنزول الدورة الدموية
- *القاضي: البنت قاصر بشهادة الميلاد وزواجها باطل وأحكم بفسخ النكاح
تحقيق: التاج عثمان
**جرائم وقضايا تعد الأشهر والأغرب في تاريخ القضاء السوداني .. بسببها شهدت قاعات المحاكم جلسات عاصفة وجدل قانوني بين ممثلي الإتهام ومحاميي المتهمين .. ومن خلال حيثيات القضايا ومرافعات ودفوعاتها في جلسات المحاكم نهدف تقديم للقراء والمحامين الجُدد وطلاب وطالبات القانون ثقافة قانونية رفيعة عبر مرافعات قانونية حقيقية عاصفة شهدتها دهاليز المحاكم السودانية .. من خلال هذه الحلقة الأولى نستضيف المحامية الشهيرة راشدة إسماعيل مكي أحمد المحامي وموثق العقود بالخرطوم بحري**
*حكاية القاصر (س)*
الأستاذة راشدة إسماعيل محامية مشهورة من بحري، خبرتها في المحاماة إمتدت ولا تزال لأكثر من 34 سنة متواصلة .. كانت تعمل في بداية حياتها المهنية مع الأستاذ محمد المامون أحمد عبده، المشهور بـ(مامون
عبده) وهو من أكفأ وأميز المحامين في سجل المحاميين السودانيين، وتعتبره الاستاذة راشدة الأب الروحي لها وللعديد من المحامين الذين عملوا معه بمكتبه ببحري.. ظلت مضيفتنا تعمل معه 7 سنوات وبعد حصولها على التوثيق عام 1998م إستقلت بمكتبها الخاص ببحري إلا أن صلتها به لم تنقطع حيث كانت تستشيره في بعض القضايا المعقدة .. ويعمل معها بمكتبها عدد من المحامين من الجنسين وهم من شباب المحامين الأكفاء ولا غبار على مهنيتهم ومرافعاتهم بالمحاكم.. من خلال المساحة القادمة تسرد علينا الأستاذة راشدة قضية شرعية جنائية في آن واحد تتعلق بزواج القاصرات .. ومن خلال مرافعتها كممثلة إدعاء في هذه القضية تتحفنا بثقافتها القانونية ومهنيتها الفذة .. إلتقيتها بالقاهرة ذات مساء بديع الطقس وبدأت تسرد متناولة هذه القضية الشهيرة بقولها:
“تعد هذه القضية من أكثر القضايا التي أعتز وأفخر بها .. بدأت فصول القضية قيام أحد الآباء بتزويج إبنته (س) لنظامي أربعيني يعمل في النظام العام رغم أنها قاصر عمرها عند عقد النكاح لم يتجاوز 14 سنة، مع الاتفاق بين الأب والعريس إكمال مراسيم الزواج لاحقا .. وبعد إكمال عقد النكاح بأسابيع قليلة طلب العريس من الأب خروج البنت معه فرفض الأب وأصر على عدم خلوتها معه إلا بعد إكمال مراسيم الزواج.. لم يرض قرار الأب العريس (المستعجل) فقام بمضايقة والد الفتاة بالتعاون مع رفاقه في النظام العام، بل قام برفع دعوى طاعة في المحكمة الشرعية بواسطة أحد المحامين .. وبالصدفة قابلت أحد زملائي المحامين الشباب وحكى لي تفاصيل القضية وطلب مني إستلام القضية فوافقت على الفور لإنقاذ تلك الطفلة القاصر.
الجلسة الأولى
وفي جلسة المحكمة الأولى التي إنعقدت بمحكمة الحاج يوسف الشرعية طلبت من القاضي تأجيل القضية حتى أطالع حيثياتها، لكن السبب الحقيقي لتاجيلي القضية كان بهدف رفع دعوى لفسخ عقد النكاح لأن البنت قاصر لم يتجاوز عمرها 14 سنة وذلك بعد حصولي على المستند الذي يثبت ذلك والمتمثل في شهادة ميلاد البنت.. بعدها إتصلت بوالد البنت وقلت له”سوف ارفع عليك وعلى العريس دعوى قضائية لأنك زوجت إبنتك القاصر”.. ورفعت الدعوى باسم والدة البنت بمحكمة الحاج يوسف الشرعية، وكان المدعى عليه الأول والد البنت، والزوج مدعى عليه ثاني.. وقلت في مرافعتي لهذه الدعوة ان البنت قاصر وأثبت ذلك للمحكمة بشهادة ميلادها .. وأقر محامي الأب ـ المدعى عليه الأول ـ ببنود عريضتي وأن الأب عقد على إبنته وهي قاصر.. اما محامي الزوج ـ المدعى عليه الثاني ـ فقدم دفاعه أن البنت ليست قاصر وإستند في رأيه ذلك بانها بالغة، وبالتالي زواجها صحيح .. فعقبت على محامي الزوج بقولي:”البنت غير بالغة، ولم تبلغ سن الرشد، ولم تصل عمر 18 سنة”.
فسخ النكاح
بعدها حجزت المحكمة الدعوى للقرار، ثم أقرت القاضية أن البنت قاصر وزواجها باطل، وعلى ضوء ذلك فسخت النكاح .. وقام محامي الزوج بإستئناف الحكم لدى محكمة الإستئناف والتي أيدت حكم محكمة الموضوع ..بعدها قام محامي الزوج برفع القضية للمحكمة العليا والتي طلبت من محكمة الإستئناف التحري في بلوغ البنت.. وهنا عقبت على المحكمة العليا بهذه المرافعة:
“إذا كان المقصود سن الرشد فالبنت لم تبلغ 18 سنة بمستند الدفاع المرفق للمحكمة الموقرة ــ شهادة الميلاد ــ ، اما إذا كانت المحكمة ومحامي الزوج يقصدان بأنها غير قاصر بنزول الدورة الشهرية من البنت، فالبنت ممكن أن تاتيها الدورة الشهرية في عمر 10 سنوات وذلك حسب تكوينها الفسيولوجي والجسماني”.
وجاء قرار المحكمة العليا بتأكيد محكمة الموضوع، وايدت فسخ النكاح بإعتبار بطلان العقد..وكانت تلك القضية أول قضية فسخ نكاح اترافع عنها، وهي من القضايا التي إستمتعت بها كثيرا، وفيها توعية وتثقيف قانوني للآباء والأمهات وحتى المحامين خاصة الجُدد.. وتعد تلك القضية سابقة وإعتمدت لدى المحاكم أن سن الرشد 18 سنة حتى ولو نزلت الدورة الشهرية للبنت قبل ذلك العمر”.
المحرر
زواج القاصرات ينتشر بصورة مزعجة في كثير من القرى السودانية النائية وللأسف بعض الآباء هناك يجبرون بناتهم القُصر الزواج من مسنين في عمر أجدادهن دون إستشارتهن لغرض في معظمه مالي، فالمادة 34 من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1991م تشترط موافقة الفتاة قبل الزواج، إلا أنها عادة ما تسمح للولي، أب او أخ أو عم، بإجراء عقد الزواج بينما موافقتها تأتي لاحقا بعد عقد الزواج .. كما ان المادة 60 من قانون الأحوال الشخصية للمسلمين، والمادة 9 من قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين
لسنة 1926م تشيران: “الزواج يكون باطلا إذا تم بالإكراه لإخلال شرط الرضا”.. والمأذون الذي يقوم بإجراءات الزواج والشهود يصرفون النظر عن هذه الجريمة النكراء التي ستحيل حياة العروس الطفلة إلى جحيم بعد إستمرار الحياة الزوجية لو صح هذا التعبير!.. والأمثلة على نوع هذا الزواج مأساوية ضحيتها الزوجات القاصرات سواء في صحتهن او نفسياتهن .. ورغم ان المشرع السوداني يجرم هذا الزواج إلا انه للأسف لا يزال منتشرا، وقد يعود ذلك لضعف العقوبة هذا إذا وصلت الحالة للقضاء كالنموذج الذي أشرنا إليه .. إستنادا على ذلك ينبغي مراجعة قانون زواج القاصرات ومضاعفة العقوبة على كل من يشارك في هذا الجُرم، سواء كان الأب، او الأم، او الزوج، او المأذون الشرعي والشهود.
- الحلقة القادمة
- ــ إمام ومؤذن يرتكبا جريمة غريبة غير مسبوقة داخل مسجد!!.
- ــ حكما على الشاهد الوحيد بالشنق حتى الموت حتى لا تكتشف جريمتهما.
- ــ كيف توصلت الشرطة لحل لغز هذه الجريمة الغامضة؟