
إطفاءٌ تامٌّ… حين تصبح الكهرباء معركة بقاء لا خدمة رفاهية
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*لم تعد أزمة الكهرباء في السودان مجرد انقطاعٍ للتيار أو عطلٍ فنيٍّ عابر، بل تحولت بعد حرب الخامس عشر من أبريل 2023 إلى واحدة من أخطر القضايا الوطنية المرتبطة بالأمن القومي، والأمن الغذائي، والاستقرار الصحي، وبقاء الدولة نفسها.. فحين تُطفأ الكهرباء في معظم الولايات، لا تتوقف الإنارة وحدها، بل تتوقف معها محطات المياه، وتتجمد خطوط الإنتاج، وتتعطل المستشفيات، وتتلف الأدوية، وتنهار الخدمات، وتزداد معاناة الناس في الحرّ القاسي، ويصبح الـ Black outعنواناً يومياً لحياة السودانيين.
*إن الكهرباء ليست ترفاً حضارياً، وإنما شريان حياة، والدول التي تفشل في تأمين الكهرباء لشعوبها تدخل تلقائياً في دوامة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والأمني. والسودان اليوم يقف أمام لحظة فارقة: إما أن يتعامل مع ملف الكهرباء باعتباره أولوية سيادية عاجلة، أو أن تتوسع دائرة الانهيار لتطال كل القطاعات الحيوية.
*عرف السودان الكهرباء منذ بدايات القرن العشرين، حين دخلت لأول مرة إلى بعض المؤسسات الحكومية والمناطق المحدودة في العاصمة خلال فترة الحكم الثنائي، ثم بدأت شبكات التوليد والتوزيع تتوسع تدريجياً بعد الاستقلال. ومع مرور العقود، ظلت الكهرباء في السودان مرتبطة بالمشروعات التنموية الكبرى، فكان خزان سنار أحد أوائل المصادر الكهرومائية، ثم تتابعت المحطات الحرارية والديزلية في مدن مختلفة.
*غير أن التحول الأكبر في قطاع الكهرباء جاء مع إنشاء سد مروي، الذي مثل عند افتتاحه نقلة ضخمة في إنتاج الطاقة الكهربائية بالسودان، إذ وفر مئات الميغاواطات من الكهرباء وأسهم في توسيع الشبكة القومية وتحسين الإمداد الكهربائي لعدد كبير من الولايات. كما دخلت محطات حرارية مهمة إلى الخدمة مثل محطة أم دباكر الحرارية، ومحطات قري وبحري وغيرها، ما أدى إلى تحسن نسبي في الإمداد الكهربائي خلال سنوات ما قبل الحرب.
*لكن رغم تلك المشروعات، ظل السودان يعاني من فجوة كهربائية كبيرة بسبب ضعف التوسع في الإنتاج مقارنة بالنمو السكاني والعمراني والزراعي والصناعي. فالسودان، بمساحته الشاسعة وعدد سكانه الكبير واحتياجاته الزراعية والصناعية، يحتاج إلى آلاف الميغاواطات بصورة مستقرة حتى يحقق الحد الأدنى من الاستقرار الكهربائي.
*تشير التقديرات إلى أن السودان يحتاج فعلياً إلى أكثر من 7000 ميغاواط لتغطية الاحتياجات الأساسية بصورة معقولة، بينما يظل الإنتاج الفعلي أقل بكثير من هذا الرقم، ويتأثر بصورة مستمرة بالأعطال ونقص الوقود وضعف الشبكات وخروج بعض المحطات عن الخدمة. وبعد اندلاع حرب أبريل، تفاقمت الأزمة بصورة غير مسبوقة، إذ تعرضت بنية الكهرباء إلى أضرار مباشرة وغير مباشرة، وتأثرت محطات التوليد وخطوط النقل، وتعرضت الشبكات للتخريب والانقطاع، إضافة إلى صعوبات الوقود والصيانة وغياب الاستقرار الإداري والفني.
*لقد كشفت الحرب هشاشة قطاع الكهرباء في السودان، وأثبتت أن الاعتماد على الشبكة القومية وحدها دون بدائل استراتيجية يمثل خطراً كبيراً على الدولة والمجتمع. ولذلك لم يعد مقبولاً أن يظل ملف الكهرباء موزعاً بين المعالجات المؤقتة والتصريحات الموسمية، بل يجب أن يتحول إلى مشروع وطني شامل تُسخَّر له الدولة بكامل أجهزتها.
*ومن هنا، فإن الواجب الوطني يقتضي أن يعقد مجلس الوزراء السوداني جلسة طارئة ومخصصة بالكامل لقضية الكهرباء، لا باعتبارها قضية خدمية، وإنما باعتبارها قضية أمن قومي. يجب أن تُطرح فيها كل الملفات بوضوح: حجم الفجوة الكهربائية، أوضاع المحطات، مستقبل الشبكات، التمويل، الطاقة البديلة، الشراكات الإقليمية، والاستثمارات الأجنبية المطلوبة.
*كما ينبغي أن تُنشأ غرفة طوارئ قومية للكهرباء تضم خبراء الطاقة والاقتصاد والزراعة والمياه والصحة والدفاع المدني، بحيث تعمل بصورة يومية لإدارة الأزمة ووضع الحلول الإسعافية والاستراتيجية.
*وفي مقدمة هذه الحلول، تأتي الطاقة الشمسية باعتبارها الفرصة الذهبية التي لا يملك السودان رفاهية تأجيلها. فالسودان من أكثر دول العالم تعرضاً للشمس، ويملك ساعات سطوع عالية على مدار العام، ما يجعله مؤهلاً ليكون قوة إقليمية في مجال الطاقة الشمسية لو أحسن استغلال هذا المورد الهائل.
*إن الأولوية القصوى للطاقة الشمسية يجب ألا تكون للإنارة المنزلية وحدها، بل للمشروعات الحيوية الحساسة التي لا يجوز أن تتوقف بسبب انقطاع الكهرباء. ويأتي في مقدمة ذلك:
المشروعات الزراعية الكبرى، لأن الزراعة بلا كهرباء تعني ضعف الري وتعطل الطلمبات وانهيار الإنتاج. والسودان الذي يطمح لتحقيق الأمن الغذائي لا يمكنه أن يعتمد على شبكة كهرباء متذبذبة في تشغيل المشاريع الزراعية الاستراتيجية.
*كذلك يجب أن تُجهز المستشفيات بالطاقة الشمسية بصورة عاجلة، خاصة غرف العمليات والعناية المكثفة وبنوك الدم ومراكز غسيل الكلى وحفظ الأدوية واللقاحات. فكم من مريض أصبح مهدداً بسبب انقطاع الكهرباء؟ وكم من مستشفى تعطلت خدماته بسبب الـ Black out كما ينبغي أن تشمل الطاقة الشمسية محطات المياه، لأن انقطاع الكهرباء عن محطات الضخ يعني مباشرة انقطاع المياه عن المواطنين. والمياه والكهرباء اليوم أصبحتا معركة بقاء يومية في السودان.
*إن السودان يحتاج إلى مشروع قومي ضخم للطاقة الشمسية، لا إلى مبادرات صغيرة متناثرة. المطلوب هو بناء محطات شمسية استراتيجية بقدرات كبيرة، إضافة إلى نشر الأنظمة اللامركزية في القرى والمزارع والمستشفيات والمؤسسات الحكومية.
*وإذا أراد السودان فعلاً أن يخفف أزمة الكهرباء خلال السنوات القادمة، فإنه يحتاج إلى إضافة آلاف الميغاواط من الطاقة الشمسية تدريجياً. ويمكن البدء بخطة عاجلة تستهدف توفير ما بين 2000 إلى 3000 ميغاواط من الطاقة الشمسية خلال فترة قصيرة نسبياً، مع إعطاء أولوية لمناطق الإنتاج الزراعي والمشاريع الخدمية.
*كما يجب أن تُمنح حوافز استثمارية ضخمة للشركات العالمية والإقليمية للدخول في قطاع الكهرباء والطاقة الشمسية بالسودان. فالعالم اليوم يتجه بقوة نحو الطاقة النظيفة، وهناك شركات تبحث عن أسواق واعدة، والسودان يملك المساحات والشمس والاحتياج الحقيقي، لكنه يحتاج إلى بيئة قانونية واستثمارية مستقرة.
*ولا بد كذلك من إعادة فتح باب التعاون الكهربائي الإقليمي مع دول الجوار. فالسودان يرتبط كهربائياً بإثيوبيا، ويمكن تطوير الربط الكهربائي معها بصورة أكبر، كما يمكن تعزيز الربط مع مصر، خاصة أن تبادل الطاقة بين الدول أصبح ضرورة استراتيجية في العالم الحديث.
*ورغم أن مصر نفسها واجهت تحديات كهربائية في بعض الفترات، فإن الربط الكهربائي معها يظل مهماً، خصوصاً في أوقات الذروة الموسمية، ويمكن أن يسهم في تخفيف الضغط على الشبكة السودانية، خاصة خلال الصيف القاسي الذي يضاعف استهلاك الكهرباء بصورة هائلة.
*إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى إصلاح كهرباء، بل يحتاج إلى إعادة بناء فلسفة كاملة لإدارة الطاقة. فالدولة التي تريد حماية أمنها الغذائي، واستقرارها الصحي، وتنميتها الصناعية، واستقرار مواطنيها، لا بد أن تجعل الكهرباء أولوية فوق كل الأولويات.. فالكهرباء ليست مجرد أسلاك وأعمدة ومحطات… إنها حياة كاملة.. وحين تُطفأ الكهرباء في وطنٍ مثقل بالحرب والأزمات، فإن الظلام لا يكون في الشوارع وحدها، بل يمتد إلى الاقتصاد، والصحة، والتعليم، والأمن، والأمل نفسه.
*ولهذا فإن إنقاذ الكهرباء في السودان لم يعد خياراً… بل أصبح معركة وطن.