آخر الأخبار

 جمالية التكثيف في القصة القصيرة جدا ..حسن البطران نموذجا

 

د . آمال بوحرب – تونس:

في فضاء النص الوجيز، يصبح التكثيف مبدأ وجوديا يجسد صراع الكينونة بين العابر والخالد، حيث تتحول القصة القصيرة جدا الى ومضة أنطولوجية تكشف حدود اللغة وابعاد الوجود.. انه ليس اختصارا مجردا، بل انفجار دلالي يحمل كلمة واحده كثرة المعاني، كما عند هيدغر في الوحدة المتكثفة للذات الموجودة.

يتجلى التكثيف عند حسن البطران كفلسفة المشهد المنفجر، حيث يحول القصة الى مراة للوجود المتعاضد. في قصته طول يكتب: يلملمان طولهما من الانحناء، تطل عليهما من الشرفة عصفورة.. هنا يتكثف الحدث الحميم في ثلاث كلمات: الانحناء يرمز الى اندماج الجسدين وامتدادهما الوجودي، بينما العصفورة – رمز الجدى والحياة العابرة – تشهد على دورة الكون، فالحضور الغائب يفتح ابواب الابها م الفلسفي حول الانس والعزلة.

وفي (فستان بنفسجي) غرزت في يدها شيئا حادا يشبه الدبوس… لم تجبها ونظرت الى فستان لونه بنفسجي وشفاف.. أدركت الفتاة مغزاها، غمزت لأخيها الذي أهداها سلسلا وإزارا وشيئا من ملح مذاب في قليل من الماء.. يتكثف الغيرة والانتقام في نظرة وغمزة، حيث يصبح الفستان رمزا للخيانة والملح دلالة على الجرح النفسي المكتوم، محققا صراع الذات بين الصمت والانفجار.

هذا التكثيف يعارض فيتجنشتاين في عما لا يمكن الحديث عنه يجب السكوت، اذ يصنع البطران من الصمت بين الكلمات لغة تتجاوز الحدود اللغوية. في (إيمان وصلاة الشمال): انكسرت الكأس… جمعتها كلها رغم صغر حجمها… أذن في الناس: إيمان تحت سقف داري، تتحول شظايا الكأس الى رمز للذكريات المجزأة والدار المتعددة الابواب تعكس تمدد الوجود رغم التصدع.

وفي (لون ضفدع): عقد قرانه، ابتسمت؛ غشي عليه. ربما تصدقت بأسنانها قبل عدة سنوات، تتكثف الخداعة في ابتسامة تثير الغشي، فتصبح الأسنان قناعا مزيفا يرمز الى الوهم الاجتماعي. هكذا، يصبح النص الوجيز عند البطران مشروعا فلسفيا يثبت ان الحقيقة تكمن في القله المشحونة، تحول الومضة الى كون منفتح محققا حرية الفكر في ضيق الفضاء، شهادة على ان الوجود تكثيف للحظوة الابدية.