آخر الأخبار

حين ترتدي الثورة قميص السلطة.. من (كوز أبو يد إلى كوز كلدوم)

 

د. الهادي عبدالله أبوضفائر

 

*الثورة تبدأ من وجع الإنسان والشعر يمنح الحلم اجنحة في أكتوبر كان الحنين للأرض (باسمك الاخضر يا اكتوبر الارض تغني الحقول اشتعلت قمحاً ووعداً وتمني) وفي أبريل انتقل الحلم إلى الإنسان (يا شعباً لهبَك ثوريتَك تلقى مُرادَك والفي نيتَك و عُمق إحساسَك بحريتَك يبقى ملامِح في ذُريتَك)  وفي ديسمبر كان للدم حضورٌ (دجينا زي ناس المسيد هتفنا لي دم الشهيد).

 

*في لحظات نادرة يتجاوز فيها الانسان خوفه وتعلو راية الوطن فوق المصالح.. عندها يخرج الناس إلى الشوارع بحثاً عن وطن جديد لا يُهان فيه الإنسان لأنه قال لا، ولا يُقصى لأنه اختلف، ولا يُهدر دمه لأن السلطة تملك القوة.

*ولكن غالباً ما يتلاشى الحلم بعد سقوط الظلم. وتبدأ المأساة حين يهدأ الشارع ويعود الهتاف إلى الذاكرة ويجلس الثائر على كرسي السلطة. فيتغير السؤال من كيف نحرر الناس؟ إلى من يملك مقاليد السلطة؟.

 

*المشكلة تبدأ حين تتبدّل المبادئ بتبدّل المواقع، فبعض ثوار الأمس حين اقتربوا من السلطة اكتشفوا أن ما كان استبداداً بالأمس يمكن أن يصبح ضرورةً اليوم وما كان قمعاً يصبح إجراءً أمنياً والإقصاء ترتيباً سياسياً والفساد استثناءً تفرضه الظروف.. وقتها تتغيّر السلطة ومعايير الحكم عليها.

*تبدأ الثورة تغيّر جلدها ببطء تبرر للانحراف.. فيعتبر تصحيح المسار خيانةً لها ومساءلةُ من يتحدثون باسمها طعناً في النضال ويُطلب من الناس أن يصبروا على أخطاءهم بحجة المرحلة حساسة.

*تكمن المفارقة الأكثر قسوة ثورةً خرجت لتحرير الناس تنتهي إلى مطالبتهم بالصمت.. كان الحلم ان يتساوى الثوار أمام العدالة.. ثم تمضي الأيام وتظهر طبقةٌ أقرب إلى السلطة والقرار، وأوسع حظاً في المال.. ويتحول الحق العام إلى امتياز والوطن من مساحة مشتركة إلى دوائر نفوذ لكل دائرة أصحابها ومبرراتها.

 

*أخطر ما يحمله الإنسان إلى السلطة ليس الجشع وحده وإنما ذاكرة الضحية حين تتحول إلى رغبة في الانتقام.. فمن يكره الظلم في ذاته سيقاومه أينما وجده.. أما من يكرهه لأنه كان واقعاً عليه فقد يتغير موقفه عندما يصبح هو القادر على ممارسته.

*المشكلة ليس في وجود الفاسدين فالسلطة تستطيع أن تعيد تشكيل أخلاق بعض الذين يصلون إليها.. فالذي يحتج ضد المحاصصة قد يصبح مدافعاً عنها حين يجد مقعده فيها..  ومن يطالب بالشفافية قد يجد أن للغموض ألف مبرر حين يصبح هو المستفيد.. والذي كان يرى في النقد حقاً مقدساً قد يراه مؤامرةً عندما يصبح النقد موجهاً إليه.

*الثورة لا تُسرق دفعة واحدة.. لكنها تُسرق من الذاكرة واللغة.. ويُعاد تعريف شعاراتها.. عندها تصبح التضحية فضيلةً حين تدفع ثمنها الآخرون والصبر واجباً حين يطلبه الحاكم والجوع امتحاناً وطنياً حين يمس غيرك وتبقى الشعارات معلّقةً على جدران المدارس والمستشفيات شاهدةً على أحلام لم تصل إليها، بينما تُقسَّم في الغرف المغلقة مواقع النفوذ وامتيازات السلطة وحصص من الوطن.

*سرقة الثورة لا تعني وصول شخصٌ جديد إلى الكرسي وأنما تتبدّل الوجوه وتبقى الممارسات، وتتحول دماء الذين حلموا بالتغيير إلى سلّم تصعد عليه طبقة جديدة لتعيد إنتاج ما خرجت الثورة من أجل اقتلاعه.. هنا تبدأ الخديعة الكبرى من حارب الفساد ثم أعاد إنتاجه ومن بكى على المظلومين ثم طلب منهم الصمت ومن هتف للحرية خارج السلطة ثم اكتشف بعد بلوغها أن أول شروطها إسكات من يذكّره بما كان يقوله بالأمس فيصبح الثائر كوز كلدوم (كلدوم: البهيمه الما عندو قرون) الجلاد القديم (كوز ابو يد) كان واضحاً تعرفه من لغته وأدواته وموقعه.. أما الكوز كلدوم. فيأتيك بوجه مألوف ويتحدث بأسم الشهداء ويتكئ على المظلوميه ويتحصن بشرعية الثورة أو باسم المقدس، أو بحجة استتباب الأمن وحماية المرحلة.. تتغير اللغة لكن العصا اغلظ.

*إسقاط الحاكم لا يكفي.. إذا بقيت عقلية الاستبداد، تغيرت اللافتة وبقي الإقصاء والتهميش واحتكار القرار وإعادة إنتاج الامتيازات.. ويصبح الظلم الجديد أكثر مرارة، الكوز أبو يد كان يستند إلى شرعية القوة، أما كلدوم فيستند إلى شرعية الثورة ويطلب من ضحاياه قبول ظلمه باسم التضحيات التي قُدّمت.

*من المآسي أن نتعامل مع الثورة كأنها نهايةً القصة، وهي في  حقيقتها بداية الامتحان.. السؤال بعد سقوط النظام ينبغي أن لا يكون من يجلس على الكرسي؟ لكن ما الذي يمنعه من أن يصبح كلدوم؟ هذه هي المسافة بين تغيير السلطة وتغيير الحكم.

*الحكم الرشيد لا يحتاج إلى وجوه جديدة، وإنما إلى قواعد تجعل السلطة أقل إغراءً للمتسلط والمال العام أصعب على السارق والقرار قابلاً للمراجعة والنقد حقاً لا منحة وخروج المسؤول من موقعه أمراً طبيعياً لا مأساةً وطنية.

*جوهر الثورة أن تجعل السلطة عاجزة عن الاستبداد، أياً كان من يجلس على كرسيها لذلك تحتاج إلى قواعد تحميها من الاختطاف.. سلطة محدودة  ومال عام مكشوف وقرار خاضع للمساءلة وإعلام حر وقضاء مستقل وقوات نظامية تحت حكم القانون والدستور.

*وبناءة ذاكرة وطنية لا تسمح لأحد باحتكار الثورة. فالثورة ليست إرثاً يملكه من وصل إلى السلطة والشهداء ليسوا أسهماً سياسية والمظلومية ليست تفويضاً أبدياً بالحكم. ربما نحتاج إلى قاعدة بسيطة لكنها قاسية من خرج ضد الاستبداد عليه أن يقبل أولاً بأن يخضع هو نفسه للمساءلة.

 

*القيم لا تُختبر حين نطالب بها وإنما حين نمتلك القدرة على منعها عن غيرنا.. من لم يفهم الحرية يطلبها لنفسه ثم يمنعها عن خصمه ومن لم يفهم العدالة يطالب بها ثم يستثني جماعته ومن يثور على احتكار السلطة ثم يحتكرها حين يصل إليها. تُقاس الثورة بقدرتها على التماسك حين تغريها السلطة.

*لا تقدّيس للثائر لأنه ثار ولا يمنح صكاً أخلاقياً مفتوحاً لأنه كان يوماً في صف الضحية.. نكرّم تضحيته، ونحفظ حق الشهداء، ثم نضع الكل تحت مظلة القانون. عندها فقط تنتقل الثورة من لحظة غضب إلى لحظة بناء.

*الوطن لا يحتاج إلى ثورة تغيّر الوجوه فحسب وإنما إلى نهاية اللعبة التي تجعل كل وجه جديد قابلاً لإعادة إنتاج الظلم. فالثورة التي لا تغيّر قواعد السلطة تظل أسيرة ممارساتها، أما حين تتغير القواعد تصبح السلطة مسؤولية لا امتيازاً ولا يعود مصير الناس رهناً بصلاح فرد أو نزاهته.

*وهنا يبدأ الحلم الذي استشهد من أجله نفرٌ كريم. (وطن حدادي مدادي، وطن خبر ديمقراطي).. وربما آن الأوان أن نُعمل عقولنا قبل غضبنا.. فنحاكم الناس بأفعالهم لا بماضيهم السياسي ولا باللافتة التي حملوها. ليس كل من خدم في عهد المؤتمر الوطني فاسداً أو عدواً للوطن وليس كل من خرج في صفوف الثورة مصلحاً لمجرد أنه كان ثائراً