آخر الأخبار

لآلِئ بأقلامهم..استعراض لرواية (البيت الصامت) للكاتب التركي أورخان باموق

صمت الكلام

فائزة إدريس

 

*تتميّز رواية البيت الصامت ببنيتها السردية المركبة والمتعددة الأصوات، ما يجعلها من أوائل أعمال أورخان باموق التي تنبّه القارئ إلى ميوله التجريبية وتوجهه نحو تعقيد الشكل الروائي من الداخل، بعيدًا عن الأنماط السردية التقليدية.

*تنقسم الرواية إلى اثنين وثلاثين فصلاً، تتناوب فيها خمسة أصوات سردية مستقلة، لكلٍّ منها وجهة نظر مغايرة حول الحياة، والبيت، والعائلة، والسياسة، والذات، حيث يعاد تشكيل الحكاية في كل مرة من زاوية مختلفة، وكأن الساردين يمارسون نوعًا من الحفر في الذاكرة الجماعية للمكان والعائلة.

*يُعتبر هذا البناء مثالاً على ما يُسمى في النقد الأدبي بـ (الرواية متعددة المنظورات) وهو اتجاه أدبي رسّخه ميخائيل باختين في قراءته لدوستويفسكي، والذي يعني تعدد وجهات النظر والوعي داخل النص الواحد، بحيث لا تطغى شخصية على الأخرى، بل يُمنح لكل راوٍ صوته الكامل المستقل، وأسلوبه الخاص، ومرجعيته الفكرية.

*لا يحكي راوٍ واحد الرواية، بل تُبنى من شظايا ومقاطع ومنولوجات داخلية تتوزع بين الشخصيات.

*في هذا السياق، يوظّف أورخان باموق تقنية (تيار الوعي)التي تُعد من أبرز سمات الرواية الحداثية الغربية، كما صاغها أمثال فيرجينيا وولف وويليام فوكنر، وخاصة في روايات مثل السيدة دالواي والصخب والعنف.

*عبر هذه التقنية، يغوص السرد داخل النفس البشرية، في اللحظات اليومية العابرة، ويقدّم تتابعاً غير منضبط من المشاعر، والذكريات، والأفكار المتداخلة، والمونولوجات التي لا تخضع لقواعد النحو الزمني أو التسلسل الكلاسيكي.

*كما يعمد باموق إلى كسر مفهوم (الحياد السردي)، إذ تُعبّر الشخصيات عن وعي طبقي وسياسي، وتبني صورة الذات انطلاقًا من موقعها داخل البنية الاجتماعية التركية.

*البنية المتشظية للرواية لا تعني غياب المعمار، بل على العكس، ثمّة خيوط ناعمة تربط بين جميع الفصول والأصوات، حيث يعيد كل راوٍ استدعاء نفس الأحداث من منظور مختلف، وهو ما يشكل شبكة سردية لولبية، لا تتقدم زمنياً فقط، بل تعيد التشكيل البنيوي للحدث ذاته عبر تنويعات حسية وذهنية وشخصية.

*وبذلك، يصير (البيت) ليس فقط مسرحاً للأحداث، بل بنية رمزية تتغير بحسب زاوية النظر، مما يجعل من الرواية معماراً سردياً متعدد الطبقات، أشبه بمبنى تتغير ألوانه بحسب الضوء الذي يسلط عليه..

الجدير بالذكر أن كاتب الرواية أورخان باموق.

*كاتب وروائي تركي وهو أول روائي باللغة التركية يفوز بجائزة نوبل للأداب عام ٢٠٠٦، ولد في إسطنبول في ٧ يونيو سنة ١٩٥٢، وهو ينتمي لأسرة تركية مثقفة. درس العمارة والصحافة قبل أن يتجه إلى الأدب والكتابة، كما يعد من الكتاب البارزين والمعاصرين في تركيا، وترجمت أعماله إلى لغات متعددة.

نهاية المداد:

الإنسان في الحقيقة لا يبحث عن الابتسامة في رسم السعادة ، بل عن السعادة في الحياة.

 (أورخان باموق)