
نيران لن يطفئها الماء
بُعْدٌ .. و .. مسَافَة
مصطفى ابوالعزائم
*الحرب التي إندلعت نيرانها في الخامس عشر من أبريل 2023 م ، لم تستهدف السودان وحده ، بل إستهدفت تغيير الخريطة السياسية والديموغرافية في كل الإقليم ، لكن هذا الهدف لن يتحقق إلا بإزالة الدولة السودانية القائمة ، ومحو مؤسساتها الوطنية المعبرة عن الهوية الوطنية ، ممثلة في القوات المسلحة السودانية وبقية القوى الأمنية من شرطة مخابرات وأجهزة مساعدة.
*تفكيك الدولة السودانية يعني تقسيم السودان الذي رسم خارطته الحديثة ، وحدوده الإستعمارية السير دوغلاس نيوبولد ، الذي كان أحد أخطر وأهم العقول الإدارية البريطانية التي صاغت وشكلت الدولة السودانية الحديثة، وقد شغل نيوبولد منصب السكرتير الإداري بالسودان في الفترة الممتدة من 1939م إلى 1945م ، وهو المنصب الذي يعني الرئاسة التنفيذية الفعلية للبلاد تحت حكم المستعمر البريطاني، وقد كانت وجهة النظر البريطانية تؤكد من خلال الممارسة، أن السودان يجب يحكم عبر الزعامات القبلية من زعماء إدارات أهلية وشيوخ قبائل ونظار ، مع منحهم سلطات إدارية وقضائية واسعة.
*كان نيوبولد من خلال أوراقه ومقالاته التي تم جمعها لاحقاً في كتاب حمل إسم (The Making of the Modern Sudan) أوصناعة السودان الحديث كان يرى ان السودان إتحاد قسري ، وإن دارفور وكردفان لهما طبيعة تختلف تماماً عن وادي النيل، وإن محاولة صهرهما في دولة واحدة ستفشل ، وكان هو من روج لفكرة أن السودان مجموعة دول وليس أقاليم،يجب أن تُدار بشكل منفصل.
*توفي نيوبولد فجأة، في الخرطوم عام 1945 قبل الإستقلال بسنوات قليلة ، يرى المؤرخون أن وفاته عجلت بإنهيار الرؤية البريطانية الحذرة وتسببت في توحيد السودان كدولة واحدة.
*بعد وفاة السير دوغلاس نيوبولد المفاجئة في الخرطوم عام 1945 خلفه في منصب السكرتير الإداري للسودان السير جيمس روبرتسون، وهو الرجل الذي قاد السودان فعلياً حتى لحظة الاستقلال في 1956 روبرتسون هو الشخصية المحورية التي حوّلت مقترحات التقسيم إلى وحدة قسرية الرجل الذي وحّد السودان على عجل بينما كان نيوبولد يميل لتقسيم السودان إلى دول والحفاظ على المناطق المقفولة (جنوب السودان جبال النوبة واجزاء من النيل الأزرق) اتخذ روبرتسون قراراً تاريخياً في مؤتمر جوبا 1947 بدمج الجنوب مع الشمال.
*الدافع لم يكن حباً في الوحدة بل لمنع مصر من السيطرة على السودان حيث رأى أن توحيد السودان تحت سلطة النخبة الشمالية في الخرطوم هو الضمان الوحيد لبقاء السودان بعيداً عن التاج المصري.
*نال السودان إستقلاله في الأول من يناير عام 1956 م، لكن بعض اجزائه في الحدود الشرقية إقتطعت لتصبح جزءاً من إثيوبيا، وهي أقاليم غنية زادت أطماع الدولة الإثيوبية لتتمدد وتعمل على أن تتبع لها أراضي الفشقة الخصبة الغنية، وكان ذلك مدخلاً لأطماع قوى أخرى تريد أن تجد لها مكاناً في الإقليم، وأن تتمكن من الوصول إلى ساحل البحر الأحمر الذي يعتبر من أخطر وأهم الممرات المائية في العالم.
القصة لن تنتهي الآن ، ولم تنته بعد.