
التخصص الجامعي …. تحديات و مستقبل(1-3)
درب التبانة
د. الحسين تاج الدين أحمد
*يمثل الإرشاد الأكاديمي في الفكر التربوي الحديث منظومة متكاملة تقوم على أسس علمية من علم النفس التربوي ونظريات اتخاذ القرار، وتهدف إلى تحقيق التوافق بين قدرات الطالب وميوله وبين المسارات الأكاديمية المتاحة. غير أن غيابه، خصوصًا في المناطق الطرفية، يضع الطالب في حالة من عدم اليقين المعرفي، حيث يُجبر على اتخاذ قرار مصيري دون توفر أدوات تحليلية كافية أو معلومات موثوقة.
*ويتزايد تعقيد الأمر في ظل التوسع الكبير في التخصصات الجامعية وتغير سوق العمل بشكل متسارع، مما يتطلب من الطالب فهمًا دقيقًا لطبيعة التخصصات وفرصها المستقبلية، وهو ما يصعب تحقيقه دون إرشاد منهجي منظم.. ووفقًا لنماذج علمية مثل Holland (RIASEC) ونظرية Super
، فإن الاختيار المهني عملية تطورية تتطلب وعيًا بالذات والبيئة، وهو ما يفتقده كثير من الطلاب في البيئات محدودة الخدمات.
*في هذا السياق، لا يعد غياب المرشد الأكاديمي مجرد نقص في الكوادر، بل غياب لمنظومة كاملة من الدعم، ما يؤدي إلى اتخاذ قرارات عشوائية أو غير مدروسة، قد تنعكس لاحقًا في ضعف الأداء أو تغيير التخصص أو حتى الانسحاب من الدراسة. وهنا يتحول الطالب من متلقٍ للتوجيه إلى صانع قرار مضطر، في بيئة لا تدعمه بالشكل الكافي.
*ويزداد المشهد تعقيدًا حين يجد الطالب نفسه أمام كمٍّ واسع من التخصصات دون وجود أدوات واضحة تساعده على المقارنة والتحليل، في ظل نقص المعلومات الدقيقة، وغياب اختبارات الميول، وضعف الوعي بمتطلبات سوق العمل. كما تلعب الضغوط الأسرية والمجتمعية دورًا إضافيًا في توجيه الاختيارات نحو مسارات تقليدية لا تعكس بالضرورة قدرات الطالب أو اهتماماته. كل ذلك يجعل عملية اختيار التخصص أقرب إلى الاجتهاد الشخصي غير المدعوم، بدل أن تكون عملية علمية مبنية على فهم عميق للذات والفرص.
*وفي ظل هذه الظروف، يصبح الطالب مطالبًا ببذل جهد مضاعف لفهم ذاته وتحليل خياراته، رغم محدودية الإمكانات من حوله. وهنا تكمن خطورة المشكلة، إذ لا يتعلق الأمر فقط باتخاذ قرار، بل ببناء مسار مستقبلي كامل قد يتأثر سلبًا في حال غياب التوجيه الصحيح. ولذلك، فإن غياب الإرشاد الأكاديمي لا يعني فقط فقدان خدمة تعليمية، بل فقدان عنصر حاسم في تحقيق التوازن بين الطموح والقدرة، وبين التعليم واحتياجات الواقع.