
السودان أكبر من أزمة الجنيه
د. ميمونة سعيد أدم
*شهد الجنيه السوداني خلال السنوات الأخيرة تراجعًا حادًا وغير مسبوق في قيمته، حتى أصبح انهيار العملة الوطنية أحد أبرز مظاهر الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد. وقد ازدادت حدة هذا التراجع مع اندلاع الحرب التي ألقت بظلالها الثقيلة على مختلف القطاعات الاقتصادية والإنتاجية والخدمية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات ومستويات المعيشة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل يعكس انهيار الجنيه حقيقة القدرات الاقتصادية للسودان؟ أم أن السودان ما يزال يمتلك من الموارد والإمكانات ما يجعله قادرًا على تجاوز هذه الأزمة واستعادة عافيته الاقتصادية؟.
*إن النظرة الموضوعية إلى الاقتصاد السوداني تكشف عن مفارقة واضحة؛ فالسودان يعد من أغنى الدول الإفريقية والعربية من حيث الموارد الطبيعية، لكنه في الوقت نفسه يعاني من واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية والنقدية. وتتمثل هذه المفارقة في أن البلاد تمتلك أراضي زراعية شاسعة تقدر بملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، وثروة حيوانية ضخمة، وموارد مائية متنوعة، إضافة إلى احتياطيات معتبرة من المعادن وعلى رأسها الذهب، فضلاً عن موقع جغرافي استراتيجي يربط بين إفريقيا والعالم العربي ويطل على البحر الأحمر.
*لقد ساهمت الحرب بصورة كبيرة في تعميق الأزمة النقدية، حيث أدت إلى تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وتعطيل حركة التجارة الداخلية والخارجية، وانخفاض الإيرادات العامة للدولة.. كما تسببت في نزوح الملايين من المواطنين وتعطيل العديد من المؤسسات الاقتصادية والخدمية، مما أضعف النشاط الاقتصادي وأدى إلى تراجع الثقة في السوق المحلية. وفي ظل هذه الظروف، ارتفع الطلب على العملات الأجنبية باعتبارها ملاذًا آمنًا، بينما انخفض المعروض منها نتيجة تراجع الصادرات والاستثمارات والتحويلات، الأمر الذي أدى إلى مزيد من الضغوط على الجنيه السوداني.
*غير أن ربط أزمة الجنيه فقط بالحرب يعد تبسيطًا للمشكلة، إذ إن جذور الأزمة تمتد إلى سنوات طويلة من الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد السوداني.. فقد عانى الاقتصاد من ضعف التخطيط الاستراتيجي، وتراجع الإنتاج الحقيقي، والاعتماد المفرط على الواردات، بالإضافة إلى ضعف البنية التحتية وغياب السياسات الاقتصادية المستقرة.. كما ساهمت التحديات السياسية وعدم الاستقرار المؤسسي في إضعاف البيئة الاستثمارية وإعاقة الاستفادة المثلى من الموارد الوطنية.
*ورغم هذه التحديات، فإن السودان ما يزال يمتلك أوراق قوة حقيقية يمكن أن تشكل أساسًا لعملية التعافي الاقتصادي.. ويأتي القطاع الزراعي في مقدمة هذه الأوراق، حيث يتمتع السودان بموارد زراعية تؤهله ليكون من أكبر المنتجين للغذاء في المنطقة. فالأراضي الخصبة وتنوع المناخ وتوفر المياه تمثل عناصر قوة استراتيجية يمكن أن تساهم في زيادة الإنتاج والصادرات وتحقيق الأمن الغذائي محليًا وإقليميًا.
*كما يمثل قطاع التعدين، وخاصة الذهب، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي القادرة على دعم الاقتصاد الوطني. وتشير التقديرات إلى أن السودان من بين الدول الإفريقية الرائدة في إنتاج الذهب، إلا أن الاستفادة الكاملة من هذا المورد ما تزال تواجه تحديات تتعلق بالتهريب وضعف التنظيم والرقابة. ومن شأن تطوير هذا القطاع وإحكام إدارته أن يسهم في تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي وتحسين استقرار العملة الوطنية.
*ولا تقل أهمية الثروة الحيوانية عن بقية الموارد، إذ يمتلك السودان أعدادًا ضخمة من الماشية يمكن أن تشكل مصدرًا مهمًا للصادرات والعائدات الاقتصادية إذا ما تم تطوير سلاسل الإنتاج والتصنيع والتسويق. كما أن الموقع الجغرافي المتميز للبلاد يمنحها فرصة للتحول إلى مركز تجاري ولوجستي يربط بين الأسواق الإفريقية والعربية، خاصة مع تطوير الموانئ وشبكات النقل والبنية التحتية.
*إن استعادة قوة الجنيه السوداني لا يمكن أن تتحقق من خلال الإجراءات النقدية وحدها، بل تتطلب معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة عبر تعزيز الإنتاج وزيادة الصادرات وتحسين بيئة الاستثمار.. فالعملة القوية هي انعكاس لاقتصاد قوي ومنتج، وليست مجرد نتيجة لقرارات مصرفية أو إدارية.. ولذلك فإن أي استراتيجية للتعافي الاقتصادي يجب أن تركز على إعادة تشغيل عجلة الإنتاج في الزراعة والصناعة والتعدين والخدمات.
*كما أن تحقيق الاستقرار السياسي والأمني يمثل شرطًا أساسيًا لنجاح أي برنامج اقتصادي. فالمستثمر المحلي والأجنبي يحتاج إلى بيئة مستقرة وآمنة تضمن استمرارية النشاط الاقتصادي وتحمي الاستثمارات.. ومن دون معالجة تداعيات الحرب وتعزيز الاستقرار المؤسسي، ستظل جهود الإصلاح الاقتصادي محدودة التأثير.
*ومن المهم كذلك تبني رؤية وطنية شاملة تقوم على تعبئة الموارد الوطنية وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد وتحسين إدارة المال العام. فالتجارب الدولية تؤكد أن الدول التي نجحت في تجاوز الأزمات الاقتصادية الكبرى لم تعتمد فقط على وفرة الموارد، بل على حسن إدارتها وتوظيفها في خدمة التنمية المستدامة.
*إن ما يمر به السودان اليوم يمثل بلا شك تحديًا تاريخيًا، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام فرصة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر متانة واستدامة.. فالأزمات الكبرى كثيرًا ما تكون نقطة انطلاق نحو إصلاحات عميقة وتحولات استراتيجية إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية الواضحة.
*وفي الختام، يمكن القول إن انهيار الجنيه السوداني، على خطورته، لا يعبر عن حقيقة إمكانات السودان الاقتصادية.. فالبلاد ما تزال تمتلك من الموارد الطبيعية والبشرية والموقع الجغرافي ما يجعلها قادرة على استعادة عافيتها الاقتصادية وتحقيق نهضة تنموية شاملة. إن ما يملكه السودان أكبر من أن يهزم الجنيه، وما يحتاجه الوطن اليوم هو استثمار هذه الموارد بكفاءة، وتحقيق الاستقرار، وتبني سياسات اقتصادية رشيدة تحول الثروات الكامنة إلى واقع ملموس ينعكس إيجابًا على حياة المواطنين ومستقبل الأجيال القادمة.