
العدوان والمواجهات القادمة
بُعْدٌ .. و .. مسَافَة
مصطفى ابوالعزائم
*بالأمس كتبنا عن وفاة السير دوغلاس نيوبولد في الخرطوم عام 1945 قبل الإستقلال بسنوات قليلة الذي كان أحد أخطر وأهم العقول الإدارية البريطانية التي صاغت وشكلت الدولة السودانية الحديثة، وقد شغل نيوبولد منصب السكرتير الإداري بالسودان في الفترة من 1939-1945 م، ويرى المؤرخون أن وفاته عجلت بإنهيار الرؤية البريطانية الحذرة وتسببت في توحيد السودان كدولة واحدة.
*فبعد وفاة السير دوغلاس نيوبولد المفاجئة في الخرطوم عام 1945 خلفه في منصب السكرتير الإداري للسودان السير جيمس روبرتسون، وهو الرجل الذي قاد السودان فعلياً حتى لحظة الاستقلال في 1956 روبرتسون هو الشخصية المحورية التي حوّلت مقترحات التقسيم إلى وحدة قسرية الرجل الذي وحّد السودان على عجل بينما كان نيوبولد يميل لتقسيم السودان إلى دول والحفاظ على المناطق المقفولة (جنوب السودان جبال النوبة واجزاء من النيل الأزرق) إتخذ روبرتسون قراراً تاريخياً في مؤتمر جوبا 1947 بدمج الجنوب مع الشمال ، الدافع لم يكن حباً في الوحدة ، بل لمنع مصر من السيطرة على السودان حيث رأى أن توحيد السودان تحت سلطة النخبة الشمالية في الخرطوم ، هو الضمان الوحيد لبقاء السودان بعيداً عن التاج المصري.
*نال السودان إستقلاله في الأول من يناير عام 1956 م، لكن بعض أجزائه في الحدود الشرقية إقتطعت لتصبح جزءاً من إثيوبيا، وهي أقاليم غنية زادت أطماع الدولة الإثيوبية لتتمدد وتعمل على أن تتبع لها أراضي الفشقة الخصبة الغنية.
*الزيادة السكانية المضطردة مع السلاسل الجبلية وقلة الأراضي المنبسطة، ظلت هي هاجس السلطات في إثيوبيا، لأن تتوسع في السودان الغني بالموارد مع قلة في السكان.
*في تقديرنا وتقدير بعض الباحثين في العلاقات الثنائية بين السودان وإثيوبيا، أن أديس أبابا كانت تتخوف دائماً من أن تتجه مصر نحو السودان ، خاصةً وأن هناك مشتركات كثيرة بين شعبي وادي النيل، في جوانب اللغة والدين والعادات والمعتقدات والثقافة، لذلك عملت إثيوبيا ومن ورائها إسرائيل وقوى أخرى تريد إضعاف مصر، عملت على أن تتحكم في مياه النيل التي تمثل شريان الحياة للسودان ومصر بالتحديد.
*على مدى زمني طويل ظلت أديس أبابا تنتهز الفرص لخلق مواجهات عسكرية مع السودان، ثم لجأت في السنوات الأخيرة إلى بناء سد النهضة للتحكم الفعلي في تدفق مياه النيل نحو دول المصب.
*تحالفات السودان القوية مع مصر ومحيطه العربي كانت تؤخر المواجهة الإثيوبية، إضافة إلى الأوضاع الأمنية الهشة والصراعات بين القوميات في إثيوبيا، والتوتر القائم بينها وبين إريتريا، ومهددات أخرى خاصةً بعد إنفصال إريتريا الذي جعل من إثيوبيا دولة مغلقة بلا منفذ بحري ، وهو ما دفع القيادة الحالية في إثيوبيا لأن تكون أداة طيعة في أيدي القوى ذات الأطماع والاجندة الخاصة.
*الإعتداءات الأخيرة على السودان وتهديد أمنه، ومحاولة ضرب مطار الخرطوم، كانت جزءاً من مخطط كبير يرمي إلى تفكيك وضعضعة الدولة السودانية، وقد تكشفت كل جوانب المخطط الذي يستهدف مصر والسودان وأمن البحر الأحمر، لذلك كانت الهبة القوية والإدانات النارية من قبل مصر والسعودية ثم عدد من الدول العربية، والتي أثبتت أن أي اعتداء على السودان من الأراضي الإثيوبية سيكون التعامل معه بحسم .. وأما حسم هذي فتحتها ألف خط.