
أسباب الغياب
بعد .. و .. مسافة
مصطفى أبوالعزائم
*إذا ما غاب مقال لكاتب يومي فإن هذا يعني ان ظروفاً خاصةً واستثنائية هي التي منعته من التواصل مع أصحاب العمل ، الذين هم قراء الصحيفة التي يكتب فيها وتنشر له.
*ويحرص كاتب هذا المقال اليومي ( بُعْدٌ و مسَافة ) على الحضور اليومي إلا إذا منعه مانع، والقارئ دائماً هو السّيِّد وصاحب العمل، والرئيس الذي يسعى الصّحفي لإكتساب إحترامه، وقد تعودنا في بلاط صاحبة الجلالة ألا يتغيب كاتب عن قرائه إلا لسبب قاهر أو كما نقول (الشديد القوي) ، والشديد القوي هذا إن لم يكن مرضاً أو ظرفاً إجتماعياً قاهراً، فإنه حتماً يكون المثول أمام نيابة أو محكمة، أو إذ بدأت يومي بالمثول أمام محكمة الصحافة وقد حدث هذا لنا ولغيرنا كثيراً في عالم الصحافة، وسبق أن مثلت ذات يوم أمام المحكمة في الخرطوم ( 2 ) ومعي زميلي الأستاذ إبراهيم عربي، مُتهَمين في إحدى قضايا النّشر القديمة، وكان قد مر على النشر أكثر من عام ونِصف العام، دخلنا فيها قفص الإتهام أكثر من عشر مرات، وقد إنتهت بإدانتنا بسبب مقال كتبه الأستاذ عربي في عموده الراتب المقروء ( الرادار) وكنت المتهم الأول بصفتي رئيس تحرير الصّحيفة التي تم نشر المقال فيها.
*الإدانة أعقبها حكم بالغرامة عشرين ألف لكل واحد مِنّا إستناداً على المادة (159) من القانون الجنائي، إشانة السمعة . والمادة (24) من قانون الصحافة والمطبوعات، أو السّجن ثلاثة أشهر في حالة عدم سداد الغرامة ، طبعاً لو كانت فترة السّجن قليلة لأخترنا السّجن بدلاً عن دفع مبلغ كبير مثل هذا في ذلك الوقت قبل نحو سبع سنوات تقريباً ، وفي النّهاية ستتحمّل المؤسّسة الصحفية السّداد كما جرت العادة، وحقّ لنا أن نتقدّم بالشّكر الجزيل للمحامي الضّليع المستشار القانوني لصحيفة الأخبار التي كنت أرأس تحريرها وقتذاك، مولانا الأستاذ سليمان محمد الأمين، الذي كان معنا جلسة بجلسة إلى أن صدر الحكم ، وليس في مثل هذه القضايا غرابة بالنسبة للصحفيّين، فقد مثَل صاحِبكم أمام المحاكم مئات المرات منذ أن إلتحقَ بهذه المِهنَة التي يسميها محبّوها (صاحبة الجلالة) بينما يسميّها من يضيقون بتبعاتها ونتائجها بإسم (مهنة النّكد) ، ولازلت أذكر حتى الآن أنّ أوّل خبرٍ تمّ نشره لي في صحيفة (الايام) الغراء نهاية سبعينات القرن الماضي ، قادني إلى المحكمة ، بل إن عربة نجدة زرقاء اللون عليها ثلاثة من رجال الشّرطة دخلت إلى مقر الصحيفة بالخرطوم بحري، حيث المطابع ومكاتب الإدارة العامة وبعض مكاتب التحرير، وقد حملوا أمر قبض في مواجهة المُتّهَم الذي هو صاحبكم، وقد هاج رئيس التحرير وقتها أستاذنا الكبير الرّاحل إبراهيم عبد القيوم ، وظلّ على موفقه منّي حتى برأتني المحكمة، وتحقّقت من روايتي، وهي قضيّة إرتبطت بجريمة قتل في الميدان الذي أصبح يُعْرف لاحقاً بإسم (سوق سعد قشرة).
*خبرٌ آخر نشرته لي الصحيفة بعد نشر الخبر الأول عن إستغلال أحد سائقي المركبات الحكومية لأزمة مواصلات طاحنة مرت بها العاصمة بداية ثمانينيات القرن الماضي وأخذ (يشحن) الركاب على ناقلته الحكومية الضّخمة بالمقابل ، وكان من حظّه السيئ أنني كنت أحد الذين إستغلوا تلك المركبة بالمقابل ، فكان أن نشرت الواقعة مدعومة بالتاريخ واليوم والسّاعة ، والشّهود ، ورقم المركبة ، فكانت القضية الثانية ولم أكمل في بلاط صاحبة الجلالة ثلاثة اشهر بعد وهنا تيقّنت من أنه سيتم فصلي ، ولكن لم يحدث ، بل وجدت أن غضبة أستاذنا الكبير إبراهيم عبد القيوم – رحمه الله – تحولت إلى رضى تام وتشجيعٍ مستمر.
*لم أعجب لما يتعرض له بعض الزملاء والزميلات هذه الأيام من حجز أو إعتقال أو مثول أمام النيابات المختصة ، فهذه هي ضريبة العمل الصحفي ، وضريبة العمل العام ، وأعلم جيداً أن ما يواجهونه سيجعلهم دائماً في مقدمة الصفوف … ولا نملك إلا أن نقول لهم : إلى الأمام.