آخر الأخبار

بين جيل الستينيات وجيل الألفية… هل تغيّر الأدب أم تغيّر الإنسان؟

م.م زيد محمد كاظم – العراق:

في إحدى الندوات الأدبية، جلست أستمع إلى نقاش بدا في ظاهره حديثًا عن الشعر والرواية، لكنه في حقيقته كان حديثًا عن الزمن. وقف أحد الأدباء المخضرمين وقال بنبرة لا تخلو من الأسى (كان الأدب يحمل هموم الأمة، أما اليوم فقد أصبح يدور حول هموم الفرد). لم تمض دقائق حتى ردّ عليه كاتب شاب قائلاً: (بل أصبح الأدب أخيرًا يتحدث بصدق عن الإنسان، بعد أن ظل طويلًا يتحدث باسم الشعارات). عندها أدركت أن الخلاف ليس بين كاتبين، بل بين جيلين، لكل منهما ذاكرته، وتجربته، وطريقته في رؤية العالم. منذ سنوات، يتكرر الحديث عن صراع الأجيال الأدبية، وكأن كل جيل يولد ليعلن اختلافه عن الجيل الذي سبقه. جيل الستينيات، الذي نشأ في زمن المشاريع القومية الكبرى، يرى أن الأدب رسالة، وأن الكاتب لا يملك رفاهية الانشغال بذاته بينما تمر الأمة بالأزمات. أما جيل الألفية، الذي وُلد في عالم متغير، فيرى أن الإنسان نفسه أصبح القضية الكبرى، وأن الحديث عن الوحدة، والحروب، والسياسة، لا يكتمل إذا تجاهل الخوف، والقلق، والوحدة، والأسئلة التي يعيشها الفرد.

حين نقرأ نصوص الستينيات، نجد وطنًا حاضرًا في كل صفحة، وهمًا جماعيًا يتقدم على الهم الشخصي. كانت القصيدة تهتف، والرواية تناقش التحولات الاجتماعية والسياسية، والكاتب يشعر بأنه جزء من مشروع ثقافي كبير. لم يكن يكتب لنفسه فقط، بل لجيل كامل كان يؤمن بأن الأدب قادر على تغيير الواقع.

أما حين نقرأ كثيرًا من نصوص الألفية، فنجد أن البوصلة تغيرت. لم يعد البطل قائدًا أو مناضلًا بالضرورة، بل أصبح شابًا يبحث عن معنى حياته، أو امرأة تحاول أن تجد مكانها في عالم متسارع، أو إنسانًا يواجه وحدته، أو ذاكرته، أو خوفه من المستقبل. تبدو القضايا أصغر حجمًا، لكنها في الحقيقة أكثر قربًا من التجربة اليومية للإنسان.

وهنا يبدأ سوء الفهم بين الجيلين..

فالجيل الأقدم يرى أن الأدب فقد رسالته الكبرى، بينما يرى الجيل الجديد أنه تخلص من الخطابة، واقترب من نبض الإنسان الحقيقي. لكن، هل المسألة بهذه البساطة؟ أعتقد أن الأدب ليس هو الذي تغيّر وحده، بل المجتمع أيضًا.

فكاتب الستينيات عاش في زمن كانت فيه الأفكار الكبرى هي التي تقود الشارع، وكانت القضايا القومية، والتحرر، والهوية، تشغل العقول والقلوب.. أما كاتب الألفية، فقد وجد نفسه في عالم مختلف؛ عالم الإنترنت، والعولمة، والهواتف الذكية، والهجرة، والتحولات الاقتصادية، والقلق الوجودي.. لم يعد يعيش في قرية ثقافية واحدة، بل في عالم مفتوح، سريع التغير، تتزاحم فيه الهويات والأسئلة

ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على الأدب.

لا يمكن أن نطلب من كاتب اليوم أن يكتب بالطريقة نفسها التي كتب بها من سبقه، كما لا يمكن أن نطلب من كاتب الأمس أن يتخلى عن القيم التي شكلت تجربته. المفارقة أن الجيلين يشتركان في شيء واحد، رغم كل الخلافات. كلاهما يريد أن يكتب الحقيقة. لكن الحقيقة التي رآها جيل الستينيات كانت في الشارع، وفي الوطن، وفي القضايا الكبرى، بينما وجدها جيل الألفية داخل الإنسان نفسه، في هشاشته، وفي أسئلته، وفي حياته اليومية. ولعل وسائل التواصل الاجتماعي زادت هذه الفجوة اتساعًا. فقد أصبح الكاتب الشاب ينشر نصه في اللحظة نفسها التي يكتبه فيها، ويتلقى آراء القراء فورًا، ولم يعد ينتظر موافقة مجلة ثقافية أو دار نشر كما كان يحدث في الماضي. تغيرت أدوات النشر، وتغيرت علاقة الكاتب بجمهوره، وأصبح الإيقاع أسرع، وربما أكثر قسوة أيضًا. ومع ذلك، فإن اختزال الأدب الجديد في هموم فردية، أو وصف الأدب القديم بأنه مجرد خطابة أيديولوجية، لا ينصف أيًا من التجربتين.

ففي أدب الستينيات أعمال خالدة ما زالت تقرأ حتى اليوم لأنها تجاوزت زمنها، وفي أدب الألفية نصوص عميقة استطاعت أن تكشف هشاشة الإنسان في عالم متغير، وأن تطرح أسئلة لن تجدها في كتب التاريخ أو في نشرات الأخبار.

إن الأدب الحقيقي لا يُقاس بتاريخ ميلاد كاتبه، بل بقدرته على البقاء. فكم من نص قديم ما زال حيًا لأنه لمس جوهر الإنسان، وكم من نص جديد سيبقى لأنه عبّر بصدق عن زمنه. ربما لا يحتاج المشهد الثقافي إلى معركة جديدة بين (الرواد) والشباب، بقدر ما يحتاج إلى حوار يعترف بأن لكل جيل لغته، وأدواته، وأسئلته. فالأدب لا يعيش بالصراع وحده، بل بالتراكم؛ كل جيل يضيف حجرًا جديدًا إلى البناء، لا ليهدم ما قبله، بل ليكمله. ولا أظن أن السؤال الحقيقي هو: من يكتب الأدب الأفضل؟

 

السؤال الأهم هو: هل استطاع كل جيل أن يكتب الإنسان كما عرفه وعاشه؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن اختلاف النصوص لا يعني صراعًا، بل يعني أن الأدب ما زال حيًا، يتغير مع الزمن، ويحتفظ في الوقت نفسه برسالته الأعمق: أن يمنح الإنسان صوتًا، أيًا كان زمنه، وأيًا كانت قضاياه