
مبادرات تزييف السلام
أمواج ناعمة
د. ياسر محجوب الحسين
*ما سر تكاثر المبادرات الدولية التي تزعم إحلال السلام في السودان كلما ازدادت مليشيا الدعم السريع اقتراباً من الزوال؟
*منذ أبريل 2023، ينزف السودان دماءً قانية تفوح برائحة الخيانة والطمع؛ حيث اندلعت الحرب بين الوطن والمليشيا الغادرة في 15 أبريل 2023.. لكن بعد ثلاث سنوات من القتال الضاري، قضى الجيش والمقاومة الشعبية على نحو 90% من قوات هذه المليشيا.. ومع ذلك، تكاثرت مبادرات السلام التي تخفي وراء أكمتها ما تخفي، وكأن الدماء الزكية لم تُرَقْ، وكأن أرواح الشهداء لم تصعد إلى السماء تشكو إلى الله النفاق الدولي.
*تُغتصب الحرائر في الشوارع، وتُسكن بيوت المواطنين عنوةً، ويُشرد نحو 10 إلى 14 مليون مواطن داخل الوطن وخارجه، في أكبر أزمة نزوح يشهدها العالم.. دُمرت الممتلكات، وذُبح الأبرياء ذبح الشياه في الجنينة، والفاشر، وبارا، والنهود. في الجنينة وحدها، قتلت المليشيا وملحقاتها آلافاً، وارتكبت تطهيراً عرقياً ضد المساليت وغيرهم، وفق تقارير (هيومن رايتس ووتش).
*أما الفاشر، فقد سقطت في أكتوبر 2025 بعد حصار دام 18 شهراً، وارتُكبت فيها المذابح، والاغتصاب الجماعي، والتجويع المتعمد، مما جعل الأمم المتحدة تصف ما جرى فيها بالإبادة الجماعية في تقارير عامي 2025 و2026. ضربت مسيرات المليشيا المطارات والمستشفيات، ونهبت المخازن، وأحرقت الأخضر واليابس. وصفت المنظمات الدولية الكارثة بـ(الأسوأ عالمياً) على استحياء: 25 مليون شخص يواجهون الجوع الحاد، ومئات الآلاف يموتون سغباً أو مرضاً، وفقاً للأمم المتحدة.
*ورغم كل هذه الفظائع، لم تتكاثر مبادرات السلام المزعومة حينها، بل ظل أصحابها يرددون ببرود: صراع بين طرفين متكافئين.. نعم، جرى وصف الجيش السوداني – حامي التراب والعرض– بأنه مجرد (طرف)، إيحاءً بأنه (شريك في الجرائم)! فأي سلام هذا الذي يساوي بين السيف والغدر، وبين الدولة والعصابة؟.
*إن جنرالات الجيش اليوم ليسوا معنيين بالحوارات السياسية التي تفيض جدلاً سفسطائياً مقصوداً، يُدار في أروقة المنظمات الدولية كفخاخ لإطالة أمد الفوضى.. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك الضجة المفتعلة حول لقاء الفريق الركن شمس الدين الكباشي بمسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للسودان، في القاهرة يوم 21 يونيو 2026
*وليس الموضوع هنا هل تمت المقابلة بعلم الدولة أم بدونها؟، بل الموضوع هو أن هذه المبادرات الدولية –حتى الرسمية منها– يهمها دق الأسافين وخلق البلبلة داخل الصف الوطني، ليشغلوا الرأي العام بالتكهنات والشكوك بدلاً من التركيز على استكمال النصر العسكري على المليشيا.
*أهل السودان مدركون أن الذي يجري ليس صراعاً على السلطة، بل معركة وجود: إما دولة وطنية تحمي الكرامة، أو فوضى مليشياوية عارمة. والجيش ليس بحاجة إلى مفاوضات تُطيل النزيف، بل إلى سند شعبي ينهي التمرد نهائياً؛ فالوطن ملك للشعب الذي دفع الثمن غالياً من دمه، ودموعه، وأرضه المحروقة.
*لن يعود السلام إلا بسحق المليشيا، واستعادة الأمن، وبناء دولة لا تعرف إلا لغة القانون والعدل.. أما المبادرات التي تساوي بين الجلاد والضحية، أو التي تستغل أي لقاء رسمي لإثارة الفتنة، فليست إلا غطاءً للجريمة.. إن السودان يستحق النصر الكامل، لا السلام المهين.