تفاصيل إختطاف التمساح العشاري للشاب عمر محمد عمر
- (أصداء سودانية) في قلب الحدث بجزيرة صاي بالولاية الشمالية
- شهود عيان يروون للصحيفة اللحظات الأخيرة التي سبقت الحادث
- التمساح يظهر بعد نصف ساعة وسط النيل ملوحا بالشهيد في الهواء وكأنه يحتفل بغنيمته
- تماسيح متوحشة تسيطر على ضفتي النيل بجزيرة صاي مثيرة الرعب وسط سكان المنطقة
جزيرة صاي ــ عادل الحاج:
لم يكن صباح ذلك اليوم في جزيرة صاي بمحلية عبري والتي تقع نحو 720 كيلو متر شمالي الخرطوم يوماً عادياً.. فقد تحول النيل الذي طالما إرتبط في وجدان أهل المنطقة بالحياة والزراعة والرزق إلى مسرح لمأساة إنسانية هزت الولاية الشمالية بأكملها.. التهم تمساح ضخم يُعرف محلياً بـ(العُشاري) إلتهم المزارع الشاب الشهيد (عمر محمد عمر عبد الخالق) الذي لم يتجاوز عمره 22 عاما أثناء إستحمامه بالقرب من مزرعة للطماطم كان يعمل بها.. الحادثة التي وقعت في وضح النهار أعادت إلى الواجهة ملفاً ظل يؤرق سكان القرى النيلية بالولاية الشمالية لسنوات.. فقد تزايدت هجمات التماسيح على المواطنين في ظل مطالبات متكررة للسلطات بوضع حلول جذرية تحد من هذه المخاطر لكنها لم آذانا صاغية.. التحقيق التالي يورد تفاصيل هذه الحادثة المؤلمة.
لحظات رعب:

يروي أحد رفاق الفقيد تفاصيل اللحظات الأخيرة التي سبقت الحادث بقوله:
كنا مجموعة من الشباب نستحم ونغسل ملابسنا بعد إنتهاء العمل في مزارع الطماطم.. فجاء المرحوم الشهيد، عمر، يحمل جالوني مياه ملفوفين بقماش لتبريد الماء، فقام بملئهما وسقانا جميعاً، ثم وضعهما تحت ظل النخيل، وطلب مني قطعة صابون ثم نزل إلى النهر ليستحم ويغسل ملابسه.. وبعد دقائق سمعته يصرخ مستغيثاً، فالتفتنا ناحية شاطئ النيل لنجد المياه تضطرب بعنف وأصبح لونها أحمر، ثم صاح أحد الواقفين، التمساح خطف عمر.. وتصادف وجود أحد أصحاب القوارب فسارع محاولا إنقاذه، لكن التمساح كان قد إختفى في أعماق النهر، قبل أن يظهر بعد نحو نصف ساعة وسط النيل حاملاً الجثمان مطبقا عليه بفكيه القويتين، ملوحا به في الهواء وكان يهزه بعنف ذات اليمين وذات اليسار وكانه يحتفل بفريسته، ثم غاص مرة أخرى داخل النيل بغنيمته وسط ذهول ورعب كل من شاهد الحادث.
إستنفار رسمي:
فور وقوع الحادث تم إبلاغ الشرطة البحرية، كما تحركت فرق الدفاع المدني وشرطة الحياة البرية إلى الموقع، وإنضمت إليها قوة قادمة من مدينة دنقلا للمشاركة في عمليات البحث عن الجثمان وإتخاذ الإجراءات الفنية للتعامل مع التمساح.
كما زار مدير وحدة عبري الإدارية الأستاذ، وليد صالح خليل، برفقة وكيل النيابة، ورئيس المقاومة الشعبية اللواء ركن (م) إبراهيم حسن، وممثلي الشرطة وجهاز الأمن، زاروا أسرة الفقيد لتقديم واجب العزاء، مؤكدين إستمرار عمليات البحث، والعمل على إزالة الخطر الذي يمثله التمساح العشاري بالتنسيق مع الجهات المختصة.. وأكدت السلطات، أن حماية المواطنين تمثل أولوية قصوى، مع التشديد على ضرورة إلتزام السكان بإرشادات السلامة والإبتعاد عن مواقع الخطر على ضفاف النيل.
تخوف الأهالي:

أحد أبناء جزيرة صاي علق على حادث التمساح بقوله: (لم تعد الحادثة مجرد وفاة مزارع، بل تحولت إلى مصدر قلق جماعي بين سكان المنطقة، فالنيل بالنسبة لنا ليس مجرد مجرى مائي، بل هو مصدر الحياة، فالرجال يعملون في الزراعة وتشغيل الطلمبات، والنساء يجمعن الحطب ويحصدن محاصيل الجروف، والأطفال يمارسون السباحة على ضفافه، لكننا بعد هذا الحادث الأليم أصبحنا نخشى
الإقتراب منه.. فشواطئ النيل بالجزيرة أصبحت مليئة بالحشائش والأشجار الكثيفة نتيجة الهدام، الأمر الذي وفر بيئة مناسبة لإختباء التماسيح وتكاثرها، حتى باتت تسيطر على أجزاء واسعة من الضفاف.
إختلال التوازن البيئي:
يرى عدد من أبناء المنطقة أن تزايد أعداد التماسيح يعود إلى غياب برامج صيد التماسيح المنظم الذي كان ينفذه بعض الصيادين المتخصصين في إصطياد التماسيح في السابق.. ويؤكد الأهالي أن الصيادين المتخصصين كانوا يزورون المنطقة بصورة دورية، ويصطادون التماسيح الكبيرة والصغيرة، مما كان يسهم في المحافظة على التوازن البيئي داخل النهر، أما اليوم، فقد توقفت تلك الحملات، الأمر الذي أدى ـ بحسب السكان ـ إلى تضاعف أعداد التماسيح وظهور أحجام ضخمة منها، ما جعلها تشكل تهديداً مباشراً لحياة المواطنين.. ويطالب الأهالي بإطلاق حملة قومية تشمل جميع محليات الولاية الشمالية الواقعة على إمتداد النيل، وعدم الإكتفاء بمعالجة الحوادث بصورة منفردة.
حوادث متكررة:
يؤكد، يعقوب محمد شريف، من وجهاء قرية حسينارتي، أن مأساة جزيرة صاي ليست الأولى من نوعها، حيث شهدت قرية حسينارتي قبل نحو 70 عاماً ثلاث حوادث مشابهة، راح ضحيتها كل من، عبد الله شيخ خضر، والشاب، عبد المنعم عمر محمد عمر، إضافة إلى المعلم، محمد سيد أحمد قرافي، الذي إختطفه تمساح أثناء سباحتة في النيل وكان سباحا ماهرا.
كما يروي حادثة أخرى نجا منها المواطن، عوض عبدون، المعروف بـ(عوض طفية)، بعدما تمكن بشجاعة من غرز أصابعه في عيني التمساح، مما أجبره على تركه وإلقائه على الشاطئ، إلا أنه ظل يتلقى العلاج بالمستشفى لمدة ستة أشهر.
ويرى، يعقوب الشريف، أن تكرار هذه الحوادث يستوجب تحركاً عاجلاً من الجهات المختصة لحماية السكان من خطر وهجوم التماسيح.
الحياة والخطر:

ظل النيل عبر مئات السنين رمزاً للحياة في شمال السودان، حيث قامت على ضفافه القرى، وإزدهرت الزراعة، وعاش الناس على خيراته، لكن مع تزايد أعداد التماسيح، تغيرت العلاقة بين الإنسان والنهر، وأصبح كثير من الأهالي يترددون في النزول إلى المياه، خصوصاً في المناطق التي تكثر فيها الحشائش والجزر الصغيرة.
ويرى مختصون في البيئة أن معالجة المشكلة تحتاج إلى دراسة علمية تراعي حماية الحياة البرية من جهة، وضمان سلامة الإنسان من جهة أخرى، من خلال إزالة الحشائش الكثيفة، وتحديد مناطق آمنة للاستحمام، وتكثيف حملات التوعية والمراقبة.
الحلول المطلوبة:
يرى مواطنون أن الحد من هذه الحوادث يتطلب تنفيذ حزمة من الإجراءات، أبرزها:
ــ تنظيم حملات لإزالة الحشائش والأشجار الكثيفة على ضفاف النيل.
ــ تكثيف دوريات شرطة الحياة البرية.
ــ إنشاء مراسي ومناطق إستحمام آمنة.
ــ إطلاق حملات توعية للمزارعين والصيادين.
ــ دراسة أوضاع التماسيح وإعادة التوازن البيئي بالتنسيق مع الجهات المختصة.
ــ توفير وسائل إنقاذ سريعة في المناطق الزراعية.
جرس إنذار:
رحيل المزارع الشاب، عمر محمد عمر عبد الخالق، لم يكن مجرد حادث عابر، بل جرس إنذار جديد يدعو إلى تحرك عاجل قبل أن تتكرر المأساة مع ضحايا آخرين.
فأهالي الولاية الشمالية لا يريدون أن يتحول النيل، الذي كان دائماً مصدر الحياة والرزق والجمال، إلى مصدر خوف دائم يهدد أرواحهم كلما إقتربوا من مياهه.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل تتحرك الجهات المختصة لوضع خطة شاملة تعيد الطمأنينة إلى ضفاف النيل، أم أن مسلسل ضحايا التماسيح سيستمر.