
الكرامة والوطنية عند أهل السودان ثقافيا ١_٢
د. طارق البحر
إن كان هنالك من فائدة واحدة من هذه الحرب هي أننا انتبهنا الى مفهوم الوطنية والكرامة، ويتمثل ذلك في تداعي أهل السودان نحو معسكرات الكرامة للدفاع عن الوطن والعرض واكتشاف الذات السودانية وحركتها نحو تعميق سنة التكافل والتعاضد بين أهل السودان، ويتضح ذلك في الآتي.
١/ الاستضافة في السكن دون تكاليف مالية.
٢/ الإطعام (المأكل والمشرب) عبر دور التكايا وهي ممارسة ثقافية سودانية عرفت قديما ب(عوج الدرب الديوانو الحوش الكبير).
٣/ تجاوز التعصب السياسي والاندماج في ماهو مجتمعي.
٤/ استنهاض الروح السودانية في التماذج بين ماهو عربي وأفريقي، شمالا، جنوبا، شرقا وغربا، وهنا تمظهرت الشخصية السودانية.
خلاصة هذا التفاعل الإلتفاف حول القوات النظامية السودانية بمختلف أفرعها وهي أيضا ممارسة وثقافة سودانية نجدها متجذرة في حضارات السودان القديم ( كوش، مروي و مملكة سنار ) وأبان قيام الثورة المهدية معركة كرري العسكرية، وهو أسلوب الفزع بما يعبّر عنه بالتدافع نحو حماية العرض و الوطن.
الكرامة تعني في معناها البسيط البذل والعطاء وهي صفة تمتاز بها الشخصية السودانية و هي مرتكز الرجولة عند الرجل السوداني، كما تؤكد في المقام الأول الدفاع عن كل مايملك الإنسان من مقتنيات وثروات في ظاهر الأرض وباطنها وهي تشمل العرض الإنساني، بالدفاع عنه تحت مظلة الوطن الذي تؤكده المواطنة،
عليه تصبح الوطنية ناتج العلاقة بين الكرامة والوطن، علاقة تداخلية لإثبات طبيعة الشخصية السودانية بابعادها الثقافية، الاجتماعية، السياسية والاقتصادية التي تضرب في تاريخه البعيد ببعديه الزماني والمكاني .
عليه نحاول في هذه الورقة قراءة الشخصية السودانية، آثاريا وثقافيا عبر التاريخ الذي يعني تثبيت الحقائق من خلال التواريخ و الأرقام المادية، وذلك بهضم الماضي واستحضار الحاضر الذي يركز على المستقبل.
المستقبل يقصد به دولة العلم والثقافة التي ظللنا نبحث عنها منذ الاستقلال وحتي قيام هذه الحرب اللعينة من قبل القوة المتمردة التي عاثت فسادا لايخفى على أحد صغيرا أم كبيرا، رجل كان أم امرأة، داخليا أو خارجيا عبر التوثيق الذي ظهر في الميديا منهم أنفسهم.
المقصود بدولة العلم والثقافة هو سيادة دولة العلماء الذين يهتمون بالبحث العلمي عبر المؤسسات العلمية ومراكز البحوث العلمية في التخطيط والتنفيذ ووضع الاستراتيجيات طويلة وقصيرة المدى ملزمة للحكومات التي تأتي عبر صندوق الاقتراع، وبهذا نستطيع أن نثبت حق العلماء في اتخاذ القرار وفقا لما تحتاجه بلادنا في قطاعات التنمية قاطبة لنهضة البلاد وإنسانها الذي ظل يعاني من الحروب والفقر والجهل رغم توفر الموارد البشرية والاقتصادية في حياته الاجتماعية والثقافية وعليه لابد من التخطيط الثقافي المجتمعي.
يري دكتور كمال يوسف علي* في ورقته الموسومة باسم (نحو سياسة ثقافية تؤسس لمشروع وطني ثقافي مستدام) مفهوم السياسة الثقافية cultural policy العمل علي وضع الخطط والبرامج التي يمكننا بها أن نشكل إستراتيجية متكاملة تعكس أوجه النشاط والعمل والقيم التي تعيش بها وعليها الجماعات الانسانية في مختلف أرجاء السودان على نحو متوازن).
بهذا التعريف يمكن أن نستخلص الآتي.
١/ تحقيق وتثبيت مفهوم الوحدة الوطنية ثقافيا الذي رفع شعاره منذ الاستقلال سياسيا وفشل الساسة في تحقيقه .
٢/التعرف على الإثنيات والجماعات الثقافية السودانية .
٣/ التبادل الاقتصادي عن طريق الإنتاج المادي الذي يعتمد علي الموروث المحلي (الماكل والمشرب، الصناعات المحلية، الأثاث، العمارة المحلية ….الخ ).
٤/ الترويج السياحي داخليا وعالميا.
٥/ نشر ومعرفة الرياضات المحلية مثال المصارعة في جبال النوبة.
٦/التعرف الفني المسموع والمرئي ( غناء تشكيل، فخار،رقص،ازياء، اكسسوارات،….الخ).
٧/ تبادل المعارف الفلكلورية والتي تشمل طريقة الغذاء الملبس ،حرفية الزراعة والرعي .
٨/ الاحتفالات الثقافية المحلية، أعياد الحصاد في جبال النوبة والنيل الأزرق والتي تعرف بجدع النار إضافة الي الموروث الثقافي الديني الطرق الصوفية المولد النبوي الشريف وكل المناسبات الدينية والتي تصنف ضمن السياحة الدينية.
٩/ تغذية المحتوي الثقافي السوداني عبر الميديا وابتكار صفحات جاذبة ترويجية.
١٠/المساهمة في الميزانية العامة للدولة .
النتائج الثقافية أعلاه تمثل مرتكز في حوار الشخصية السودانية بأبعادها الثقافية الاجتماعية السياسية الاقتصادية، يمكن تفصيله الى جزئين
أ/ حوار ذاتي وهو معني بالمثقف السوداني في شتي ضروب المعرفة والعلم بالانكفاء على الذات ومحاولة التخلص من كل التشوهات التي تؤثر على التفكير السودانوي الثقافي، وذلك بغرض الخروج والوصول الى نتائج عملية تفضي الى تحقيق تنمية ذات خصائص ثقافية سودانية تساهم في رفع وعي الإنسان السوداني وتعمل على ترقيته ماديا ومعنويا.
ب/ حوار يعتمد على روح المواجهة ذات شفافية عالية بين العلماء المثقفين يفضي الى نتائج علمية تصب في صالح الإنسان السوداني، بغرض تفجير طاقاته وفقا للإحكام والقوانين التي تعزز من الثقة بالنفس، وستند علي دستور يعبر عن اشواق السودانيين في تحقيق الديمقراطية التي تنبع من موروثنا الثقافي الآثاري الذي عبرت عنه مسلة بعنخي التي جمعت وحوت سمات الروح السودانية السمحة.
عرف السودان في تاريخه القديم بممالك كوش مروي والممالك المسيحية المغرة وعلوة إضافة الى مملكة سنار وممالك دارفور وتقلي في جبال النوبة.
في الجزء الثاني سنتناول ممالك الشريط النيلي باعتبار أنها الأكثر انتشارا في السودان القديم، من الأقصر في مصر شمالا والذي يبدأ بطريق الكباش وصولا الى مروي وجبل البركل الذي يمثل السلطة الروحية وحتي مناطق المصورات والنقعة في ولاية نهر النيل الحالية.
امدرمان الثوره الرياض .
١٣ فبراير ٢٠٢٣.
* ملحوظ: دكتور كمال يوسف علي موسيقي وباحث في الثقافة السودانية صاحب مشروع خارطة ثقافية سودانية مستدامة .