آخر الأخبار

المثقف السوداني في زمن الحرب

شوف عين

معاوية محمد علي

 

*يبدو أننا في السودان لم نعد نكتفي باستيراد الغذاء والدواء من الخارج، بل وصلنا إلى مرحلة (استيراد المثقف).. ففي الوقت الذي تعيش فيه المؤسسات الثقافية السودانية حالة من (الموت السريري) أو الهروب الكبير، تطل علينا وجوهٌ عربية نبيلة لتمارس دورنا الغائب، إنها مفارقة عجيبة، أن ننتظر رواية الكاتبة فاطمة العوا لتخبرنا بما جرى في بيوتنا ايام الحرب، وأن نستجدي منظمة دولية مثل (تير دي زوم) لتقيم لنا جلسات ثقافية، بينما يكتفي مثقفنا السوداني بالجلوس في (مقاعد المتفرجين)، يراقب المشهد ببرود يحسد عليه.

*واجب علينا أن نقدم تحية الاحترام للكاتبة المبدعة الدكتورة فاطمة العوا، التي لم تتعامل مع وجعنا كخبر عابر، بل احتضنته برؤية أدبية رفيعة في روايتها (أيام جنوب النهر)، لقد كانت العوا صوتا لمن لا صوت لهم، ومؤرخة للحظة انكسارنا التي خشي الجميع الاقتراب منها، لم تكتف بتوثيق الحرب، بل نفخت الروح في تفاصيل النزوح والخوف، وحولت جراحنا إلى نص إنساني سيخلده التاريخ، في وقت انشغل فيه (المثقفاتية) ببيع الوهم.

*ولم تقف المبادرات النبيلة عند الأدب فحسب، بل امتدت لتشمل جلسات ثقافية تبنتها منظمة (تير دي زوم)، هذه المنظمة، التي أخذت على عاتقها تنظيم جلسات ثقافية تحتفي بالهوية السودانية وسط ركام الحرب، فقدمت درسا بليغا لمؤسساتنا المشغولة بغير شاغل.

*لقد أدركت (تير دي زوم) أن الثقافة هي خط الدفاع الأخير عن إنسانيتنا وثقافتنا، ففتحت أبوابها لتتنفس الثقافة السودانية من جديد، بينما أغلقت الكثير من مؤسساتنا الوطنية أبوابها، وسرحت موظفيها، وانشغل (أرباب الثقافة) عندنا باعمال لا ناقة للثقافة فيها ولا جمل.

*ونتقدم أيضا بالتحية للفنان أحمد ماهر، وهو يقف بوعيه الفني مدافعا عن السودان وثقافة السودان ، في وقت انزوى فيه فنانونا ليغردوا خارج السرب، عبر حفلات أشبه بالزغاريد في (بيت البكاء)، أو لينشغلوا بمعارك من غير معترك على مواقع التواصل ، محولين الفن إلى (ردحي)، والي حفلات (مسخرة) شغلها الشاغل هو (العداد).

*أما المثقفون السودانيون، الذين يملؤون المنابر تنظيرا عن الهوية والنهضة، فقد سقطوا في اختبار الحرب بامتياز، لقد حضر المثقف المصري، وتجلى الفنان المصري، وبرزت المنظمات الدولية لترميم ما أفسدته الحرب، بينما اكتفت مثقفينا ب(لايك) خجول هنا، أو (تعليق) ساخر هناك، تاركين الثقافة السودانية تتسول من الآخرين من يحمي تراثها ويؤرخ لانكسارها.

*ختاما، يبقى اسم الدكتورة فاطمة العوا علامة فارقة في هذا الزمن الصعب؛ فهي لم تأت لتتفرج على مأساتنا، بل جاءت لتحمل همومنا على عاتقها وتسكبها في قالب أدبي يحفظ حقنا في الذاكرة. لقد قدمت لنا فاطمة العوا درسا قاسيا في معنى (المثقف) ،حين أثبتت أن الإنسانية تتجاوز الجغرافيا، وأن الوجع السوداني الذي استهان به البعض، كان جديرا بأن يكتب بمداد من تقدير، إن انحياز العوا لقصتنا حينما انزوى أصحابها، يجعل من روايتها (أيام جنوب النهر) أكثر من مجرد عمل أدبي، بل هي شهادة أمانة ستبقى طويلا في وجه كل من صمتوا.

*شكرا الدكتورة فاطمة العوا، ولأمثالها من المبدعين النبلاء

شكرا (تير دي زوم)

ولا عزاء لجماعة (قريعتي راحت).