آخر الأخبار

حين تستعيد الرقابة هيبتها: قراءة في قرارات بنك السودان

دكتور البشير الحسن أبونخل

 

 

 

تمثل الإجراءات التي أعلنها بنك السودان المركزي بحق عدد من المصارف والعاملين فيها نقطة تحول مهمة في مسار الرقابة المصرفية، ورسالة واضحة بأن مرحلة التساهل مع المخالفات، خاصة في ملف النقد الأجنبي، لم تعد مقبولة.

 

 

 

 

فالقطاع المصرفي ليس مجرد مؤسسات مالية تقدم خدمات للعملاء، وإنما هو أحد أهم أعمدة الاستقرار الاقتصادي، وأي تجاوز في تطبيق اللوائح المنظمة لعمليات النقد الأجنبي لا ينعكس على المصرف المخالف وحده، بل يمتد أثره إلى سوق الصرف والاقتصاد الوطني بأكمله.

 

 

 

 

لقد عانى السودان خلال السنوات الماضية من اضطرابات كبيرة في سوق العملات الأجنبية، وكان ضعف الرقابة، وعدم الالتزام الصارم بالضوابط، أحد العوامل التي أسهمت في اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وفتحت الباب أمام ممارسات أضرت بالاقتصاد وأفقدت السياسات النقدية كثيرًا من فعاليتها.

 

 

 

 

ومن هنا، فإن إيقاف مصرفين عن ممارسة عمليات الصادر والاستيراد، إلى جانب اتخاذ إجراءات إدارية بحق موظفين ثبتت مسؤوليتهم عن المخالفات، يمثل تطبيقًا عمليًا لمبدأ المساءلة، وهو المبدأ الذي لا يمكن لأي جهاز مصرفي محترف أن يستغني عنه. فالموظف الذي يسيء استخدام سلطاته أو يتجاوز اللوائح لا يسيء إلى مؤسسته فحسب، بل يضر بالاقتصاد القومي وبثقة المواطنين في النظام المصرفي.

 

 

 

 

وفي المقابل، ينبغي أن تُفهم هذه القرارات على أنها تستهدف المخالفات لا المؤسسات، وتحاسب المسؤولين عن التجاوزات دون أن تُلقي بظلال من الشك على بقية المصارف الملتزمة، التي تؤدي دورًا مهمًا في دعم النشاط الاقتصادي وتمويل التجارة وخدمة العملاء وفقًا للقانون.

 

 

 

 

غير أن نجاح هذه الإجراءات لن يتحقق بمجرد إصدار العقوبات، وإنما يتطلب استمرارية الرقابة، وتطوير آليات التفتيش، وتعزيز الحوكمة داخل المصارف، ورفع كفاءة العاملين، وتحديث أنظمة الامتثال وإدارة المخاطر، بحيث تصبح المخالفة استثناءً لا قاعدة.

 

 

 

 

كما أن العدالة تقتضي أن تكون المحاسبة مبنية على تحقيقات مهنية وشفافة، وأن تُراعى فيها المسؤوليات الإدارية والوظيفية، فلا يُحمَّل الموظف البسيط تبعات قرارات اتخذها أصحاب السلطة، ولا يفلت المسؤول الحقيقي من المساءلة. فالمحاسبة العادلة هي الضمانة الحقيقية لترسيخ ثقافة الالتزام داخل المؤسسات.

 

 

 

 

إن رسالة بنك السودان في هذه القرارات تتجاوز المصارف المعنية؛ فهي رسالة إلى جميع المؤسسات المالية بأن الالتزام بالقانون لم يعد خيارًا، وأن الرقابة ستكون أكثر حضورًا، وأن المحافظة على استقرار سوق النقد الأجنبي مسؤولية مشتركة بين البنك المركزي والمصارف والعاملين فيها.

 

 

 

 

وفي ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه السودان، فإن بناء جهاز مصرفي قوي، منضبط، وملتزم بالمعايير المهنية، لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة وطنية.

 

 

 

 

وإذا اقترنت هذه الرقابة بسياسات نقدية متسقة وإصلاحات مصرفية شاملة، فإنها ستكون خطوة في الاتجاه الصحيح نحو استعادة الثقة في القطاع المصرفي وتعزيز استقرار الاقتصاد السوداني.