آخر الأخبار

الإعلام السوداني بين ذاكرة الريادة وتحديات المستقبل

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*في توقيت بالغ الحساسية، وفي ظل واقع وطني معقد يمر به السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل، نظم  ملتقى صناع المحتوى السودانيين بمركز التسامح للتدريب وتطوير القدرات بالقاهرة جلسة نقاشية مهمة بعنوان: مستقبل الإعلام السوداني: تحديات التمويل، والتشريعات في ظل التحولات الرقمية، بمشاركة نخبة من الإعلاميين وصناع المحتوى السودانيين المقيمين بجمهورية مصر العربية، في محاولة جادة لفتح نقاش عميق حول مستقبل الإعلام السوداني والتحديات التي تواجهه في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ البلاد.

*الجلسة جاءت في وقت لم يعد فيه الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو تغطية الأحداث، بل أصبح جزءاً من معركة الوعي وصناعة الرأي العام والتأثير في صورة الدول ومواقفها أمام العالم. لذلك اكتسب اللقاء أهمية خاصة، لأنه ناقش قضايا جوهرية تمس مستقبل السودان نفسه، وليس فقط مستقبل المؤسسات الإعلامية.

*الأستاذ عثمان ميرغني رئيس تحرير صحيفة التيار، قدم رؤية عميقة حول دور الإعلام في هذه المرحلة، مؤكداً أن السودان يحتاج إلى إعلام يقود المجتمع نحو الأمن والسلام والاستقرار، لا إعلام يكتفي فقط بملاحقة الأخبار اليومية.. وأشار إلى أن الإعلام الحقيقي يصنع أجندة الوطن ويؤثر في الرأي العام، معتبراً أن السودان يمتلك من الموارد والقدرات ما يجعله قادراً على بناء صورة ذهنية إيجابية إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الواضحة.

*كما دعا الأستاذ عثمان ميرغني إلى أهمية أن تتحمل الدولة مسؤوليتها في دعم الإعلام الوطني باعتباره جزءاً من الأمن القومي، مشيراً إلى ضرورة الاستفادة من الخبرات الخارجية والتجارب الدولية لرفع قدرات الإعلام السوداني وتمكينه من مواجهة التحديات الراهنة، خاصة في ظل الحرب الإعلامية الكبيرة التي تستهدف السودان داخلياً وخارجياً

*أما الأستاذ عمار شيلا مدير قناة النيل الأزرق فقد تحدث بوضوح عن أزمة التمويل التي تواجه وسائل الإعلام السودانية، موضحاً أن الدولة مطالبة برعاية الإعلام الوطني العام والخاص معاً، لأن المعركة الإعلامية الحالية تتعلق بصورة السودان ومستقبله، وليس بمصالح المؤسسات منفردة.

*وأشار شيلا إلى أن الإعلام السوداني يعاني ليس فقط من ضعف التمويل، وإنما أيضاً من ضعف التقدير الرسمي لدور الإعلام الوطني، لافتاً إلى أن كثيراً من القضايا الوطنية المهمة أصبح السودانيون يسمعونها عبر وسائل الإعلام الأجنبية أو وكالات الأنباء الخارجية قبل أن تعلنها المؤسسات الإعلامية الوطنية، وهو ما يعكس خللاً واضحاً في العلاقة بين الدولة وإعلامها.

*كما تناول شيلا التحولات الكبيرة التي أحدثها العصر الرقمي، حيث لم تعد الهيمنة مرتبطة بحجم المؤسسات التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بقدرة المحتوى على الوصول والتأثير. فاليوم يستطيع صانع محتوى بسيط عبر هاتفه المحمول أن يحقق ملايين المشاهدات، بينما تكافح المؤسسات التقليدية من أجل البقاء، الأمر الذي يفرض على الإعلام السوداني إعادة النظر في أدواته وخططه وأساليب عمله.

*ومن المداخلات المهمة التي أثرت النقاش حديث السفير ووزير الخارجية الأسبق الأستاذ الشريف علي يوسف، الذي تناول العلاقة العضوية بين الإعلام والدبلوماسية، مؤكداً أنهما صنوان متكاملان لا يمكن الفصل بينهما. وأوضح أن الإعلام الناجح يمثل الواجهة الحقيقية للدولة، بينما تقوم الدبلوماسية بتقديم هذه الصورة إلى العالم والدفاع عن مصالح البلاد في المحافل الدولية.

*وأشار الشريف علي يوسف إلى أن السودان اليوم يخوض معركة تتعلق بالصورة والرواية بقدر ما هي معركة سياسية أو عسكرية، ولذلك فإن التنسيق بين المؤسسات الإعلامية والدبلوماسية أصبح ضرورة وطنية، من أجل تقديم خطاب متوازن وموحد يعكس حقيقة ما يجري في السودان ويحافظ على صورته الخارجية.

*ورغم القيمة الكبيرة لما طرح في الجلسة، إلا أن النقاش كشف بصورة واضحة حجم الأزمة البنيوية التي يعاني منها الإعلام السوداني، فالمشكلة لم تعد فقط في التمويل أو التشريعات أو التكنولوجيا، بل أصبحت أزمة إدارة ورؤية واستراتيجية.

*المؤسسات الإعلامية الرسمية، مثل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ووكالة السودان للأنباء، تعمل اليوم في ظروف شديدة التعقيد، وسط ضعف إداري وغياب للسياسات الإعلامية الواضحة.. فلا توجد رؤية استراتيجية تحدد أهداف الإعلام الوطني، ولا سياسات تحريرية مستقرة، مما جعل كثيراً من المؤسسات تتعامل مع الأحداث بمنطق ردود الأفعال والعمل اليومي المحدود، بعيداً عن التخطيط طويل المدى.

*الإعلام ليس مجرد نشرات أخبار أو تقارير عاجلة، بل هو مشروع وطني متكامل يساهم في بناء الهوية الوطنية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، ونشر الوعي، والدفاع عن مصالح البلاد. وعندما تغيب الرؤية المؤسسية يصبح الإعلام عاجزاً عن أداء دوره الحقيقي مهما توفرت له الإمكانيات الفنية.

*كما أن الحرب الأخيرة كشفت حجم التدهور الذي أصاب البنية الإدارية للدولة عموماً، والإعلام على وجه الخصوص، حيث تعمل المؤسسات الإعلامية بقدرات محدودة وإمكانات ضعيفة، وسط نقص في الكوادر والاستقرار المهني، إضافة إلى حالات الإقصاء التي خلقت حالة من الإحباط والانقسام وسط الوسط الإعلامي.

 

*ومع ذلك، فإن السودان لا يعاني من غياب الكفاءات الإعلامية، بل يمتلك واحدة من أهم المدارس الإعلامية في المنطقة العربية والإفريقية. فقد ساهم السودان تاريخياً في تأسيس اتحاد إذاعات الدول العربية، كما لعب الإعلاميون السودانيون أدواراً مؤثرة في تطوير الإعلام العربي والإفريقي.

*ويكفي أن السودان قدم أسماء كبيرة في مجال الإعلام، على رأسهم البروفيسور علي شمو، الذي يعد أحد أبرز رواد الإعلام العربي، وأسهم مع نخبة من الإعلاميين السودانيين في تأسيس وتطوير تجارب إعلامية ناجحة في عدد من الدول العربية والخليجية، إلى جانب بروز إعلاميين سودانيين في مؤسسات عالمية وإقليمية كبرى مثل الجزيرة وبي بي سي وغيرها.

*كل ذلك يؤكد أن الأزمة الحقيقية ليست أزمة قدرات بشرية، وإنما أزمة إدارة وتشريعات ورؤية سياسية تجاه الإعلام.

*ومن القضايا المهمة التي فرضت نفسها خلال النقاش مسألة التشريعات الإعلامية، حيث ما زالت القوانين السودانية تتعامل بعقلية تقليدية مع واقع إعلامي تغير بصورة كاملة بفعل التكنولوجيا والمنصات الرقمية. فاليوم لم يعد الإعلام مقتصراً على الصحف الورقية أو القنوات الفضائية، بل أصبح فضاءً مفتوحاً تصنعه المنصات الرقمية وصناع المحتوى والمؤثرون عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

*لذلك أصبح من الضروري مراجعة التشريعات الإعلامية بصورة شاملة، بما يحقق التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، ويواكب التطورات التقنية المتسارعة دون أن يقيد الإعلام أو يضعه تحت هيمنة البيروقراطية والوصاية السياسية.

*وكان من الملاحظ غياب الجهات الحكومية عن هذه الجلسة المهمة، رغم أن القضايا التي طرحت تمس مستقبل الدولة السودانية وصورتها الخارجية. وكان من المهم أن تكون السفارة السودانية بالقاهرة حاضرة للمشاركة في هذا النقاش، كما كان من المفيد مشاركة الجهات العدلية والتشريعية، خاصة أن قضية القوانين والتنظيم الإعلامي كانت تحتاج إلى نقاش أعمق وأكثر تفصيلاً

*وفي ختام الجلسة، بدا واضحاً أن السودان لا يحتاج فقط إلى تمويل المؤسسات الإعلامية، بل يحتاج إلى مشروع إعلامي وطني متكامل، يعيد تعريف دور الإعلام في بناء الدولة وحماية المجتمع وصناعة الوعي الوطني.

*فالحروب الحديثة لم تعد تحسم بالسلاح وحده، بل بالصورة والرواية والمعلومة والقدرة على التأثير في الرأي العام المحلي والدولي. والسودان يمتلك الخبرات والكوادر والتاريخ الإعلامي العريق، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية، وتشريعات حديثة، وإدارة مؤسسية، ورؤية واضحة تجعل الإعلام شريكاً حقيقياً في معركة بناء الوطن واستعادة الدولة.

*ولا يفوتني أن أتقدم بالشكر والتقدير للزميل جهاد حسين الذي أدار الجلسة الحوارية باقتدار ومهنية عالية، وأحسن إدارة النقاش بين المتحدثين والحضور بصورة أتاحت طرح القضايا الجوهرية بكل شفافية وعمق. كما أشكره على كريم الدعوة لحضور هذه الجلسة المهمة، وأعتذر عن أن حضوري جاء متأخراً بعض الشيء، ولكن كما يقول المثل: أن تأتي متأخراً خيرٌ من ألا تأتي، وقد كان من حسن الحظ أنني تمكنت من حضور هذا اللقاء الثري الذي أعاد فتح ملف الإعلام السوداني بكل شجاعة ومسؤولية.