آخر الأخبار

أنت يا ذاكرة البحر

د. الفاتح كامل – السودان:

الثمانون عاما أو التي تزيد… وأنت تقاوم الكثير.. تبدل الأحوال، رطوبة البحر وانعدام الرفيق. خلف ابتسامته الباهتة كان يخبئ الكثير.

المرفأ قبل اليوم… يعج بكل شيء. مرتادو البحر من أهل الديرة، الهند والسند.

الصيادون، الباحثون عن اللؤلؤ في أعماق البحر… عن بنات الشعر ضاجعن رمال البحر إلى آخره مما يقول الشعراء.

الآن الوضع قد تغير يا حاج ميرزا إلا أنت.. فرائحة النفط تعم المكان.. الباحثون عن الرزق السهل ولقمة العيش من الوافدين يأتون من كل فجاج الأرض. يبحثون عن الثراء السريع، يستبدلون الذي هو أبقى بالذي يزول.

المرفأ الشحيح ببضائعه ومرتاديه في السابق، الآن البضائع من كل حدب وصوب، الحالمون بالثراء يتوافدون من كل جنس ولون… أين كنتم قبل أن تبوح الأرض بسرها؟.

كتب عليك يا حاج ميرزا، أن تعيش من قبل الفقر والرطوبة.. والآن مكتوب عليك منافسة كل الأجناس، من هم أصغر منك سنا وليس بالضرورة كفاءة وصمود. يا عاشق البحر الذي لا يجاري.

ما في مردود… يوم آخر جديد والمحل المهترئ يعاني قسوة المنافسة وجفاء الزبائن.. الآن زوارك هم للفضول أقرب، لا الشراء من بضائعك الأثرية القديمة. اللهم إلا هؤلاء زرق العيون حمر الوجوه. بماذا ينادونهم يا حاج ميرزا؟.. السياح أظن. وهم في كل الأحوال لا يحسنون سماحة السوق. فابتياعهم من قبيل الشفقة أو يتبعه المُحاجة التي لا تطيق. ولكنك تعودت عليهم. فهم في كل الأحوال ضيوفك قبل أن يكونوا ضيوفا بلدك المعطاء حتى للغرباء.

وتظل يا حاج ميرزا تقاوم العمر وقلة المردود وانعدام الرفيق الذي يؤانس وحشة الكبر، كما عانيت في السابق شظف العيش واشتداد الحر وارتفاع الرطوبة التي يعرفها الخليج معرفته الصحراء القاحلة.

الذين حصدوا العمران ونعمة النفط هم القادمون الجدد أصحاب الياقات البيضاء، الوجوه الحمر والعيون الزرقاء. أما أنت فلا يزال نصيبك من كل هذا غير وجبة السمك البرياني من يد (البشكارة) العاملة الهندية والتي ما زلت تحافظ عليها منذ سنوات ولا أحد، لا أحد… فأنت أنت وحدك ما تزال كما أنت، تقبع في دكانك القديم المترب شبه الخالي إلا من بعض الهوام… دكانك الذي طالته يد التغيير ربما في شيء وحيد بعد عدد كبير من العقود، قنديل يتراقص نوره الباهت يبدد ظلمة المكان البارد بعفونته التي أدمنتها. هذا الظلام الذي كنت تبدده في السابق بفانوس عتيق ما زلت تحتفظ به، ذكريات ضوء كانت تراقصه نسائم البحر الرطبة… ذاك زمان… ذاك زمان يا حاج ميرزا.

الحاج ميرزا عاش هنا وسيموت هنا أيضا، هكذا كانت تقول العيون التي أدمنت البحر… فأنت لا تعرف سوى المرفأ القديم وطنا.

السفن القادمات تحمل حصاد البحر اللؤلؤ أو السمك.. سفن تجيء وترحل، ورائحة البحر تلازم خياشيمك التي عفرتها أدخنة السفن المستحدثة ورطوبات السنين.

الملايين جاءوا للمرفأ ورحلوا عنه صافرات السفن المقبلة والراحلة لطالما صدعت رأسك الذي عركه بياض السنين، وأنت وحدك… وحدك الصامد، تقاوم الزمن والعمر وجور رفقاء الأمس وعقوق الأبناء… نعم عقوق الأبناء الذين عرف الترف لهم طريق. سنوات منذ آخر مرة رأيت فيها الحاج ميرزا أعشق الأماكن القديمة وروائحها، عندما أزور مدينة -لأول مرة- دائما ما أبحث عن المناطق العتيقة بها، وأتجول في أزقتها، حاراتها ودروبها الملتوية. عندما زرت مدينته لفت انتباهي سوق البحر في منطقتها القديمة. وأنا أتجول داخل السوق تعلقت أبصاري بدكان متهالك بوابته خشبية عفا عليها الزمن، دلفت داخله وجدت رجلا تقدمت به السن وما زال محافظا على ابتسامة وضيئة جاذبة، وهو شيء نادر في زمننا هذا… وتوثقت علاقتي بالحاج ميرزا وتتابعت زياراتي له كل ما أزور تلك المدينة، وعرفت منه الكثير عن حقبة الغوص والبحث عن اللؤلؤ في قاع الخليج مدة ما قبل النفط. بالمناسبة أمثال الحاج ميرزا كثر تجدهم في المدن الشاطئية العربية في بورتسودان وسواكن وجدة وعدن ويافا ومرسي مطروح وانقطعت عني أخباره – الله يرحمه- ميتا كان أم حيا… وحيثما تحلق روحه الآن… لكن الشيء الوحيد الذي خلفه الحاج ميرزا من مسيرته الطويلة في اعتقادي الجازم، لافتة دكانه القديم التي علا الصدأ أجزاء كبيرة منها وأزال ما أزال… وتبقى فيها محالّ ميرزا التجارية، تأسست عام 1938 م.