آخر الأخبار

مخابرات بكامل الصلاحيات.. ذراع الدولة لحسم فوضى الأمن والاقتصاد

شيء للوطن

م.صلاح غريبة

 

*تمر الدولة السودانية بمنعطف تاريخي هو الأكثر تعقيداً وخطورة في تاريخها الحديث، حيث تتداخل المهددات الأمنية والعسكرية مع الأزمات الاقتصادية الخانقة، لتبدو البلاد وكأنها تواجه حرباً وجودية متعددة الجبهات.. وفي ظل هذا المشهد المعقد، بات من الضروري إعادة تقييم الأدوات السيادية للدولة، وعلى رأسها جهاز المخابرات العامة السوداني. إن الأصوات الوطنية التي تعالت مؤخراً للمطالبة بإعادة الصلاحيات الكاملة للجهاز وإداراته المتخصصة لم تأتِ من فراغ، بل نبعت من قراءة واقعية وميدانية لحجم الفراغ الذي خلفه تقليص أدوار هذا المرفق الحيوي في فترات سابقة تحت وطأة التجاذبات السياسية، وهو التقليص الذي دفع ثمنه الوطن والمواطن من أمنه واستقراره وقوته اليومي.

*لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة، بل تحول الاقتصاد إلى جبهة قتال رئيسية تُستهدف من خلالها الدول في أمنها القومي واستقرار مجتمعاتها. في السودان، يعيش المواطن تحت وطأة تشوهات اقتصادية هيكلية فى قمتها أنشطة شبكات المصالح غير المشروعة، ومضاربة السوق الأسود، ومخربون العملة الوطنية، وعصابات تهريب الموارد الاستراتيجية كالذهب والسلع التموينية.

*إن غياب العين الساهرة إدارة الأمن الاقتصادي لسنوات منح الضوء الأخضر لبارونات الاقتصاد الموازي للعبث بمقدرات البلاد ودفع التضخم إلى مستويات غير مسبوقة.

*لذلك، فإن تفعيل إدارة الأمن الاقتصادي بكامل صلاحياتها التنفيذية والقانونية يمثل حجر الزاوية في أي خطة للإصلاح والاستقرار، وذلك عبر تفكيك شبكات المضاربة بتتبع مسارات الأموال المشبوهة وشبكات تهريب العملة الوطنية خارج القنوات الرسمية.

*مكافحة التهريب المنظم بحماية الموارد الثمينة للبلاد من التسرب عبر الحدود، وضمان دخول العائدات في الخزينة العامة وضبط الأسواق بالمساهمة الاستخباراتية في كشف بؤر الاحتكار والفساد المالي التي تستهدف مباشرة مصالح المواطن البسيط.

*إن إعادة هذه الصلاحيات لا تعني التدخل في حرية التجارة، بل تعني فرض سيادة القانون وحماية الاقتصاد الوطني من الجرائم المنظمة التي ترقى إلى مستوى الخيانة العظمى.

*على الصعيد الميداني والعسكري، أثبتت التطورات الأخيرة أن طبيعة المهددات الأمنية في السودان تتطلب مرونة تكتيكية وقوات نوعية قادرة على إسناد القوات المسلحة والقوات المشتركة والأجهزة النظامية الأخرى في بسط هيبة الدولة. ومن هنا، تبرز الضرورة الملحة لاستعادة إدارة العمليات (هيئة العمليات) بكامل عتادها وجاهزيتها.

*تميزت هذه الهيئة تاريخياً بتدريبها المتقدم وقدرتها على التعامل مع حروب المدن، ومكافحة الإرهاب، والعصابات المنظمة، فضلاً عن تأمين المنشآت الحيوية. إن وجود قوة عسكرية تابعة للجهاز وذات عقيدة وطنية راسخة يمثل قوة ردع إضافية تساهم في سد الثغرات الأمنية في المناطق الساخنة وتأمين خطوط الإمداد الحيوية، وتعزيز الإسناد النوعي بقديم الدعم اللوجستي والميداني السريع للأجهزة الشرطية والعسكرية في مواجهة بؤر التمرد والجريمة، مما يعني طوق أمان للمواطن وإعادة الطمأنينة والاستقرار إلى الشارع السوداني الذي عانى من السيولة الأمنية والانتهاكات المتكررة.

*في عصر (حروب الجيل الخامس)، لم يعد السلاح الناري هو المهدد الوحيد؛ بل أصبحت الإشاعة، والتضليل الإعلامي، وبث خطاب الكراهية، وتزييف الحقائق أدوات هدم فتاكة تستهدف الجبهة الداخلية وتماسك النسيج الاجتماعي. من هذا المنطلق، تكتسب الدعوات لتعزيز الأمن الإعلامي أهمية قصوى.

*إن جهاز المخابرات مطالب اليوم بتبني استراتيجية شاملة ترتكز على محورين أساسيين: الشراكة الذكية مع الإعلام الوطني ويجب الاهتمام بالإعلاميين والمنصات الوطنية و تمليكهم الحقائق والمعلومات الدقيقة؛ الإعلامي السوداني هو المقاتل الأول في جبهة الوعي.. تعزيز الأمن الإعلامي لا يعني تكميم الأفواه، بل يعني تحصين الفضاء العام من الاختراق الخارجي والشائعات الممنهجة التي تهدف إلى زعزعة الثقة في مؤسسات الدولة النظامية.

*ترسيخ مفاهيم التربية الوطنية والأمن القومي: الأمن مسؤولية تضامنية تبدأ من المواطن.. إن إدماج مفاهيم التربية الوطنية وإدراك مهددات الأمن القومي في الوجدان الجمعي وفي المناهج والأنشطة العامة يسهم في بناء مواطن واعٍ يدرك أبعاد المؤامرات التي تحاك ضد بلاده، ويتحول إلى عين ساهرة وجدار صد منيع يدعم الأجهزة الأمنية في أداء مهامها.

*إن المطالبة بتمكين جهاز المخابرات العامة ومنحه الصلاحيات الكاملة لمكافحة الإرهاب، والجريمة المنظمة، والمهددات العابرة للحدود، لا تعني بأي حال من الأحوال العودة إلى عهود التجاوزات أو العمل خارج الأطر الدستورية.. بل على العكس، فإن القراءة الحصيفة لهذه المطالبات تؤكد على ضرورة أن تعمل كافة الإدارات المتخصصة وفق الأطر القانونية المنظمة لعمله، وبما يتسق مع الحفاظ على حقوق الإنسان ومبادئ العدالة

فالقانون هو الذي يمنح الجهاز القوة والشرعية، والصلاحيات الواضحة تحدد المسؤوليات وتمنع تداخل الاختصاصات مع الأجهزة الأخرى، مما يخلق منظومة أمنية متكاملة تتسم بالكفاءة والسرعة في اتخاذ القرار وتنفيذه.

*إن إعاقة قدرات جهاز المخابرات العامة السوداني في أوقات سابقة تحت ذرائع سياسية أثبتت الأيام عقمها، قد كلّفت البلاد غالياً.. واليوم، والسودان يواجه تحديات غير مسبوقة تهدد كيانه، فإن الاستجابة للمطالبة بإعادة الصلاحيات الكاملة للجهاز عبر كافة إداراته السياسية، والاقتصادية، والميدانية، والإعلامية، لم تعد ترفاً فكرياً أو خياراً سياسياً، بل هي ضرورة استراتيجية حتمية فرضها واقع الحال.. إن تمكين المخابرات العامة هو إعلاء لمصلحة الوطن، وتأمين مستقبل أجياله، وخطوة لا غنى عنها لاستعادة هيبة الدولة وبسط الاستقرار الشامل في ربوع السودان.