
هل يُترك إعلاميو السودان لمواجهة الجوع والخذلان؟
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*في الوقت الذي تستعد فيه الأسر السودانية لاستقبال عيد الأضحى المبارك بما استطاعت إليه سبيلًا، يقف العاملون بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون أمام واقع بالغ القسوة، واقع لا يشبه أبسط معاني الوفاء لمن حملوا رسالة الإعلام الوطني في أحلك الظروف وأقساها. هؤلاء الذين ظلوا في مواقعهم، يؤدون واجبهم المهني والوطني وسط الحرب والتشريد والانقطاع والضغوط النفسية والمعيشية، يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة معاناة معيشية خانقة، وحقوق متراكمة، وصمت إداري مؤلم، بينما لم يتبقَّ على العيد سوى أيام معدودات.
*إن القضية لم تعد مجرد تأخير مستحقات مالية، بل أصبحت قضية كرامة إنسانية وعدالة وظيفية ومسؤولية دولة تجاه مؤسسة سيادية ظل إعلاميوها يمثلون صوت السودان وصورته في الداخل والخارج. ومن المؤسف حقًا أن يصل الحال بالعاملين في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون إلى هذا المستوى من الإحباط والشكوى، بينما لا تزال الاستجابة دون حجم الأزمة، وكأن الأمر لا يعني أحدًا.
*العاملون اليوم يطالبون بحقوق مشروعة، معلومة، ومجازة، وليست مِنحًا أو تفضلات من أحد.. وتشمل هذه الحقوق:
* منحة عيد الأضحى المبارك بإجمالي مرتب شهرين، إلى جانب البديل النقدي للعامين 2025 و2026، وبدل اللبس للعام 2026، وتعديلات المرتب المجازة منذ مارس الماضي وحتى مايو الجاري بمعدل 120 ألف جنيه شهريًا مع إدماجها داخل الراتب، فضلًا عن طبيعة العمل الخاصة باللبس الواقي لأربع سنوات مضت، علمًا بأن المبلغ مودع أصلًا في حساب الهيئة.
*كما تشمل الحقوق المتأخرة بدل اللبن منذ بداية العام الجاري 2026، وتعديل بدل الوجبة للعام 2025 بمعدل 30 ألف جنيه شهريًا، إضافة إلى تعديل بدل الوجبة للأشهر الأربعة الماضية من العام الجاري بمعدل 60 ألف جنيه شهريًا.
*هذه ليست أرقامًا على الورق، بل حقوق ترتبط مباشرة بحياة أسر، وأطفال، واحتياجات يومية، وبيوت أنهكتها الحرب والغلاء وانعدام الاستقرار. إن كثيرًا من العاملين باتوا عاجزين حتى عن توفير الحد الأدنى من متطلبات العيد لأبنائهم، في وقت تتصاعد فيه الأسعار بصورة غير مسبوقة، وتتآكل فيه القدرة الشرائية بصورة موجعة.
*والأخطر من ذلك أن حالة الإحباط داخل الهيئة تتزايد بصورة مقلقة.. فالعاملون يشكون مر الشكوى، ويتساءلون: إلى متى يستمرهذا التجاهل؟ ولماذا لا توجد متابعة جادة من الإدارة العليا لقضايا العاملين؟ وكيف تُترك هذه المؤسسة العريقة التي دفعت أثمانًا باهظة خلال سنوات الحرب والتشظي دون معالجة حقيقية لأوضاع منسوبيها؟.
*إن الرسالة اليوم يجب أن تصل عاجلًا إلى رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بوصفه المسؤول الأول عن الدولة في هذه المرحلة الدقيقة، وإلى السيد رئيس مجلس الوزراء، وإلى السيد وزير الثقافة والإعلام الأستاذ خالد الإعيسر، الذي قدّر الإعلاميون موقفه الإنساني النبيل عندما تبرع من جهده الشخصي بتسيير قطار لعودة الإعلاميين من مصر إلى السودان، وهي مبادرة وجدت الإحترام والتقدير من الجميع.
*لكن الواجب الوطني والإنساني اليوم يتطلب ما هو أكبر وأكثر إلحاحًا: التحرك العاجل لإنقاذ العاملين بالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون من هذا الضيق المعيشي القاسي، وصرف مستحقاتهم فورًا قبل حلول عيد الأضحى المبارك.. فالإعلامي الذي لا يجد قوت يومه، ولا يستطيع توفير احتياجات أسرته، لا يمكن أن يُطلب منه الإستمرار بالعطاء بذات الروح والصبر.
*إن إنصاف العاملين بالهيئة ليس ترفًا إداريًا، وليس ملفًا هامشيًا يمكن تأجيله، بل هو اختبار حقيقي لمدى إحترام الدولة لمؤسساتها الوطنية وكوادرها المهنية.. والإعلام الوطني الذي ظل صامدًا رغم الانهيارات الكبيرة التي ضربت البلاد، يستحق أن يُعامل بقدر تضحياته، لا أن يُترك رهينة للوعود والتسويف والتجاهل.
*لم يتبقَّ على العيد إلا القليل، والناس ما زالوا ينتظرون.. والإنتظار حين يطول يتحول إلى وجع، والوجع حين يتراكم يتحول إلى غضب وإحباط وفقدان ثقة.. ولذلك فإن التحرك العاجل اليوم ليس خيارًا، بل ضرورة أخلاقية ووطنية وإنسانية لا تحتمل التأخير.
ولن يضيع حق وراءه مطالب
وللحديث بقيه بإذن الله تعالى