
رحيل الصحفي الأمة ود إبراهيم (أبزرد)
عبد اللطيف السيدح
*في هدأة الأيام، ودون ضجيج يليق بقدره، رحل عنا الرجل الأمة الصحفي جهير السيرة عبد الرحمن إبراهيم، المعروف بـ(ود إبراهيم)، والأشهر (بأبزرد)، تاركاً خلفه سيرة حافلة بالعطاء والكفاح، وفراغا لن يملأه أحد في الساحة الصحفية السودانية.
*ولد فقيدنا ونشأ في عاصمة الحديد والنار والنور عطبرة، وفيها درس مراحله الأولى، وفيها أيضا أطلّت عليه أولى بشائر الروح الثورية، وقاد مع قرنائه ثورة أكتوبر من قلب مدرسة عطبرة الثانوية وهو لا يزال فتى يافعا، ومن تلك اللحظة إصطلى جوفه بشرارة الثوار، ورافقته طوال مسيرة حياته، فانتمى مبكرا إلى الحركة الإسلامية، وحمل همها بصدق ووفاء.
*ومن عطبرة انتقل ود إبراهيم إلى جامعة الخرطوم ليدرس الاقتصاد، رفقة نخبة من أوائل الشهادة السودانية في ذلك الزمن الجميل، وكان على رأس هؤلاء الأذكياء المهندس الشهيد محمود شريف، والفاتح محمد علي، وهاشم حمدتو، ومهندس الباهي، ومهندس حسن أحمد البشير، وحاج بشير السقد، ومصطفى الكرفاني، وهاشم قمر الدين العسقلاني، وغيرهم الكثير من العباقرة أمثاله الذين ينحدرون من مدن وقرى نهر النيل.
*وترجع أصول الراحل عبد الرحمن إبراهيم حامد إلى بربر التاريخية، وحيها العريق المنيدرة.. وعندما استقر به المقام في رحاب الجميلة ومستحيلة ووجد مزيدا من أنفاس الحرية في جامعة الخرطوم أسس صحيفته الطلابية القوية (الزردية)، التي منها كسب لقبه الشهير الذي لازمه عمرا كاملا (أبزرد).. وكان من الداعمين له وقتذاك زميله علي عثمان محمد طه وآخرون.
*وبعد تخرجه رحمه الله، وبعد أن عذبته مايو بحكم انتمائه، هاجر مع آخرين إلى المملكة العربية السعودية، وقضى هناك برهة من الزمان بعيدا عن وطنه.. ثم عاد مع المصالحة، ليخوض غمار الصحافة والعمل في الاتحاد الاشتراكي، زميلا للدكتور إسماعيل الحاج موسى وآخرين.
*وكان الراحل ود إبراهيم من الخريجين المميزين الأذكياء الخارقين، لدرجة أن زميله الصحفي المثير محمد طه محمد أحمد وصف ملفه في جريدة الإنقاذ الوطني بالمكتنز بالخبرات والشهادات وشهادات التدريب والورش، حتى أدهش اللجنة التي كانت تقيم العاملين.
*واشتهر أبزرد بين الناس عقب انتفاضة 1985، حيث تم تعيينه رئيسا لتحرير صحيفة السودان الدولية لصاحبها محجوب عروة وشركائه، فتسيدت سوق الصحافة ونجحت نجاحا باهرا.. ثم عهد إليه برئاسة تحرير صحيفة إنجليزية لم تر النور.
*وبعد الإنقاذ، تولى منصب الأمين العام لمجلس الصحافة والمطبوعات لفترة طويلة امتدت لدورتين ، وواظب في الوقت ذاته على كتابة عموده (شيء من الفن).. كما كان إماما وخطيبا لمسجد الأصالة التابع لجماعة أنصار السنة المحمدية بالمقرن، وهو يسكن آنذاك بحي الجريف شرق منذ أيام مايو.
*وتنقّل الراحل بين عدة مواقع حيث كان رئيسا لقسم الإعلام بالمجلس الوطني في فترة العقيد محمد الأمين خليفة، ثم مستشارا للتحرير بصحيفة ألوان، ثم عاد إلى مجلس الصحافة والمطبوعات خبيرا مهنيا حاذقا، وقد كان بحق، خبيرا في شؤون الصحافة والإعلام، ورجل كفاءة كبيرة لم يجد من التقدير ما يستحقه.
*تزوج رحمه الله بعد سنوات النضال الطويلة وله ثلاثة أبناء أكبرهم بدر الدين، وثلاث بنات.. في آخر أيامه استقر عملاق الأدب والصحافة طريح الفراش في منزله بمرابيع الشريف بشرق النيل، وعندما اندلعت الحرب نزح مع أسرته إلى مدينة شندي، وظل يصارع داء السكر بصبر المؤمن ورضاه، حتى وافته المنية صبيحة السبت 2026/8/14 وأسلم الروح لباريها بمستشفى شرق النيل، وورى جثمانه ثرى مقابر مرابيع الشريف التي أحبه أهلها وبادلهم ذات المحبة وزيادة ليطوي بذلك آخر صفحة من سيرة حافلة بالعطاء والصدق والوفاء.
*رحم الله الأستاذ عبد الرحمن إبراهيم حامد أبزرد رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ونعزي من على البعد أبنائه وبناته وذويه وطلابه ومحبيه وعارفي فضله، ونسأله تعالى أن يلزم شقيقته علوية إبراهيم حامد، وزوجها زميلنا الإعلامي تاج السر محمد حامد ابن عم الفقيد، والأسرة الكريمة بمدينة جدة، صبرا جميلا على الفقد الجلل والمصاب العظيم.
(إنا لله وإنا إليه راجعون).