
هل تبدأ اليوم معركة إنقاذ مشروع الأمن الغذائي الدامر؟
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*ليس من السهل أن تكتب عشرين مقالاً عن قضية واحدة، إلا إذا كانت تلك القضية تمس حياة آلاف الأسر، وترتبط بالأمن الغذائي، وتمثل شرياناً اقتصادياً لولاية كاملة. وما كتبناه خلال السنوات الماضية عن مشروع الأمن الغذائي الدامر لم يكن سعياً وراء الجدل، ولا تصفيةً لحسابات مع أحد، وإنما كان دفاعاً عن مشروع استراتيجي ظل يتراجع بسبب سوء إدارة ملف الري، وتعطل القرارات، وتأخر تنفيذ الحلول، حتى أصبح المزارع يعيش بين الأمل والإحباط، وبين انتظار الماء وانتظار الوعود.
*واليوم، وللمرة الأولى منذ سنوات، يمكن القول إن هناك خطوة حقيقية تستحق الترحيب، بعد وصول وحدات الري الجديدة إلى عطبرة، وهي الطلمبات الرأسية التي انتظرها المشروع ومعه عدد من المشاريع الزراعية الكبرى بولاية نهر النيل انتظاراً طال أكثر مما ينبغي.
*إن وصول هذه الطلمبات ليس خبراً عادياً، بل هو نهاية فصل طويل من التعقيدات الإدارية والمالية واللوجستية التي عطلت مورداً حيوياً كان يمكن أن يغيّر وجه الزراعة في الولاية منذ سنوات.
*هذه الوحدات، التي يبلغ عددها سبعاً وعشرين طلمبة ري كبيرة، بتكلفة فاقت السبعه والعشرين مليون دولار. تكفي لخدمة تسعة مشاريع زراعية تعد من أكبر المشاريع الإنتاجية في ولاية نهر النيل، وعلى رأسها مشروع الأمن الغذائي الدامر، الذي يحتل مكانة متقدمة بين مشاريع الري من حيث المساحة والإمكانات الزراعية. ومع ذلك ظلت هذه المعدات حبيسة الإجراءات، منذ أن تم استيرادها من الهند قبل نحو سبع سنوات، في واحدة من أكثر قصص التعطيل الإداري إيلاماً
*ثم أضيف إلى تلك السنوات فصل آخر من المعاناة، إذ بقيت الطلمبات قرابة عشرة أشهر داخل ميناء بورتسودان، بينما كانت المشاريع الزراعية تفقد مواسمها الواحد تلو الآخر، وتتراكم خسائر المزارعين عاماً بعد عام. وبعد تشكيل لجنة لمتابعة الملف، استغرقت أعمالها عدة أشهر قبل أن تنجح أخيراً في إزالة العقبات، وصولاً إلى تنفيذ التوجيهات الصادرة من رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بالإفراج عن هذه المعدات وترحيلها إلى ولاية نهر النيل.
*ولا شك أن هذا الإنجاز يستحق الإشادة بكل من أسهم فيه، سواء حكومة ولاية نهر النيل، أو وزارة الزراعة، أو شركة زادنا، أو وزارة المالية، أو الإدارات الفنية، أو كل من ظل يعمل بصمت حتى خرج هذا الملف من دائرة الجمود إلى دائرة التنفيذ.
*كما يستحق العضو المنتدب الأستاذ الصديق علي عسكوري تقديراً خاصاً، لأنه أعاد فتح ملف ظل مغلقاً سنوات طويلة، وتعامل معه باعتباره قضية إنتاج وطني لا مجرد معاملة إدارية.. فالقيادة الحقيقية تظهر في الملفات الصعبة، لا في الملفات الجاهزة.
*غير أن الاحتفاء بوصول الطلمبات لا ينبغي أن يحجب السؤال الأهم: ماذا بعد؟ فالنجاح الحقيقي لا يبدأ بوصول المعدات، وإنما يبدأ لحظة تشغيلها داخل الحقول.. وقد تابعت الأوساط الزراعية إنزال هذه الوحدات بمحطة الحاويات أو بالمحطة البرية شرق عطبرة، وهو إجراء قد تكون له مبررات فنية تتعلق بالمراجعة أو الجرد أو إعادة التوزيع، لكن المطلوب ألا تتحول هذه المرحلة إلى محطة انتظار جديدة تعيد إنتاج الأزمة بصورة مختلفة.
*لقد دفع المشروع ثمناً باهظاً بسبب البطء الإداري، ولم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل.. إن كل يوم تتأخر فيه عملية تركيب الطلمبات يعني فقدان مساحات جديدة من الإنتاج، وتعميق خسائر المزارعين، وإهدار ملايين الجنيهات التي أنفقتها الدولة على هذه المعدات.
*الموسم الزراعي لا ينتظر اللجان، ولا يخضع لمواعيد المخاطبات الرسمية.. الزراعة لها تقويمها الصارم، وإذا فاتت نافذة الموسم، فلن تعوضها القرارات مهما كانت جيدة.. ومن هنا فإن الأولوية المطلقة يجب أن تكون الإسراع الفوري في توزيع الطلمبات على مواقعها الأصلية، وفق الدراسات الفنية التي أعدت من أجلها، ثم البدء المباشر في تركيبها وتشغيلها دون أي تأخير.. لكن الحديث عن الطلمبات وحدها لا يكفي.
*فالأزمة الحقيقية التي تواجه مشروع الأمن الغذائي الدامر لم تعد أزمة معدات فقط، وإنما أصبحت أزمة طاقة أيضاً
*لقد أثبتت التجربة أن الاعتماد الكامل على الشبكة الكهربائية لم يعد خياراً آمناً في الظروف الحالية. والانقطاعات المتكررة أصبحت واقعاً معلناً، بل إن مسؤولي قطاع الكهرباء أنفسهم أكدوا أن معالجة الأزمة تحتاج إلى فترة قد تمتد لعام أو عامين.
*وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مسؤول: هل ننتظر حتى تستقر الكهرباء ثم نعيد تشغيل الزراعة، أم نحمي الزراعة أولاً ثم نعالج أزمة الكهرباء؟.
*الإجابة واضحة.. إن حماية الإنتاج الزراعي تقتضي إنشاء محطات طاقة شمسية متكاملة تعمل جنباً إلى جنب مع منظومات الري الجديدة، بحيث تصبح الطاقة الشمسية هي المصدر الأساسي لتشغيل الطلمبات، مع الاحتفاظ بالشبكة الكهربائية مصدراً احتياطياً
*لقد أصبحت الطاقة الشمسية اليوم خياراً اقتصادياً قبل أن تكون خياراً بيئياً، وهي أقل تكلفة على المدى البعيد، وأكثر استقراراً، وأقدر على حماية المشاريع الزراعية من الانقطاعات المفاجئة.. ولهذا فإن مشروع الأمن الغذائي الدامر يحتاج إلى قرار شجاع يربط بين تحديث منظومة الري وتحديث منظومة الطاقة في وقت واحد، لا أن يتم التعامل مع كل ملف بمعزل عن الآخر.. وفي الوقت نفسه، فإن نجاح هذه المرحلة يتطلب إدارة ميدانية قوية تقود عملية التنفيذ بكفاءة وسرعة.
*ومن المناسب تشكيل لجنة تنفيذية عليا برئاسة الباشمهندس الوطني الخبير صاحب الهمه العاليه والمواقف المشرفه عبد العظيم سليمان، أحد أبرز خبراء الري المعروفين، مع الاستفادة من خبرات الباشمهندس عادل قندتو الأخ الصديق المخلص الوفي وبقية الكفاءات الفنية والإدارية الموجودة داخل المشروع وخارجه، على أن تمنح هذه اللجنة صلاحيات واسعة تمكنها من تجاوز التعقيدات الإجرائية، وتوفير المكون المحلي، والتنسيق مع مجالس الإنتاج، والإشراف المباشر على عمليات التركيب والتشغيل حتى تدخل جميع الوحدات الخدمة في أقصر فترة ممكنة.
*غير أن ملف الري لا يقتصر على تركيب الطلمبات وحده، فهناك قضية لا تقل خطورة، وهي العدالة في توزيع المياه داخل المشروع.. فشكاوى المزارعين تتكرر بصورة مؤلمة؛ غرب الطريق الأسفلتي يحصل على نصيبه من المياه بصورة منتظمة، بينما يعاني شرق الطريق عطشاً مستمراً، حتى إن بعض المزارعين يؤكدون أن المياه لم تصل إلى أراضيهم منذ ما قبل شهر رمضان، وأصبحوا لا ينتظرون سوى رحمة السماء.
*إن استمرار هذا التفاوت يضرب جوهر فكرة المشروع نفسه. فلا يمكن الحديث عن أمن غذائي في ظل غياب العدالة المائية، ولا يمكن مطالبة المزارعين بزيادة الإنتاج بينما تختلف فرص الحصول على المياه بين منطقة وأخرى.
*إن المطلوب هو مراجعة شاملة لشبكات الري، ومعالجة الاختناقات الفنية، ووضع نظام عادل لتوزيع المياه، يخضع للمعايير الهندسية لا للاجتهادات الإدارية، ويضمن وصول المياه إلى جميع الحواشات دون تمييز إن مشروع الأمن الغذائي الدامر ليس مجرد مشروع زراعي، بل هو مشروع تنموي واجتماعي واقتصادي، يعتمد عليه آلاف المزارعين، وترتبط به مصالح عشرات الآلاف من المواطنين، كما يمثل أحد أهم ركائز تحقيق الأمن الغذائي في السودان.
*ولذلك فإن نجاحه لا يقاس بوصول الشاحنات المحملة بالطلمبات، وإنما يقاس بوصول المياه إلى آخر حقل عطشان، وبعودة الأرض للإنتاج، وبابتسامة المزارع الذي انتظر سنوات طويلة حتى يرى ثمرة هذا الجهد.
*لقد انتهت معركة وصول الطلمبات، وبدأت معركة أكبر، هي معركة سرعة التنفيذ، وعدالة توزيع المياه، وتوفير الطاقة، وحسن الإدارة.
*فإذا أحسنّا إدارة هذه المرحلة، فسيكتب التاريخ أن سبع سنوات من التعطيل انتهت بانطلاقة جديدة نحو التنمية ..أما إذا دخلت الطلمبات في دوامة المخازن واللجان والتقارير، فإننا سنكون قد أضعنا فرصة ربما لا تتكرر.. وما زال الأمل قائماً… ولكن الزمن الزراعي لا ينتظر أحداً