آخر الأخبار

(أصداء سودانية) في قلب الحدث بجزيرة صاي بالولاية الشمالية (2-2)

  • العثور على رأس ورقبة الشهيد عمر ومقتل التمساح العُشاري
  • ظهور أعداد كبيرة من التماسيح المتوحشة بجزر الشمالية ونهر النيل
  • صيادو التماسيح: كثرة الجزر غير المأهولة بالسكان وفرت بيئة مثالية لتكاثر التماسيح
  • الحياة البرية: الصفيراء أنثى التمساح تضع (20 ــ 80) بيضة داخل أعشاشها بضفاف النيل
  • السلطات المحلية: نحذر المواطنين الإبتعاد عن ضفاف النيل تجنبا للتماسيح المفترسة

تحقيق- عادل الحاج:
لم يكن صباح ذلك اليوم في جزيرة صاي بمحلية عبري والتي تقع نحو 720 كيلو متر شمالي الخرطوم يوماً عادياً.. فقد تحول النيل الذي طالما إرتبط في وجدان أهل المنطقة بالحياة والزراعة والرزق إلى مسرح لمأساة إنسانية هزت الولاية الشمالية بأكملها.. التهم تمساح ضخم يُعرف محلياً بـ(العُشاري) إلتهم المزارع الشاب (عمر محمد عمر عبد الخالق) الذي لم يتجاوز عمره 22 عاما أثناء إستحمامه بالقرب من مزرعة للطماطم كان يعمل بها.. الحادثة التي وقعت في وضح النهار أعادت إلى الواجهة ملفاً ظل يؤرق سكان القرى النيلية بالولاية الشمالية لسنوات.. فقد تزايدت هجمات التماسيح على المواطنين في ظل مطالبات متكررة للسلطات بوضع حلول جذرية تحد من هذه المخاطر لكنها لم آذانا صاغية.. التحقيق التالي يورد تفاصيل هذه الحادثة المؤلمة
العثور على الرأس:


لم يكن صباح الجمعة قبل الماضي يوماً عادياً في جزيرة صاي بمحلية عبري، فالهدوء الذي إعتاده المزارعون على ضفاف النيل تبدد في لحظات عندما هاجم تمساح عُشاري ضخم المزارع الشاب، عمر محمد عمر عبد الخالق، أثناء وجوده بالقرب من النهر، في حادثة مروعة إنتهت بإبتلاعه أمام حالة من الذهول والعجز.. ولم تتوقف المأساة عند لحظة الهجوم، فبعد أيام من عمليات البحث المكثفة التي شارك فيها فرق الدفاع المدني، والحماية البرية، والأجهزة الأمنية، عُثر على ما تبقى من جثمان الضحية، بالقرب من المنطقة التي شهدت الحادث بجزيرة صاي بالولاية الشمالية، حيث لم يترك التمساح العُشاري سوى الرأس والرقبة، بينما إختفت بقية أجزاء الجثمان، ويرجح أنه إلتهم بقية أجزاء الجثة بالكامل، في مشهد مأساوي أعاد إلى الأذهان قصص التماسيح التي ظلت لعقود جزءاً من ذاكرة سكان وادي النيل.. وأثارت الحادثة موجة واسعة من الحزن والغضب، كما فجرت تساؤلات حول أسباب تزايد ظهور التماسيح، ومدى جاهزية الجهات المختصة لحماية المواطنين.
حالة إستنفار:


لم تمض ساعات على إنتشار الحادثة حتى أعلنت السلطات المحلية حالة من الإستنفار، حيث دفعت إدارة قوات حماية الحياة البرية بفرق ميدانية إلى منطقة عبري لتنفيذ عمليات تمشيط واسعة لضفاف النيل والجزر، بالتزامن مع حملات توعية للمواطنين.. وفي خطوة عملية، التقى مدير وحدة عبري الإدارية الأستاذ، وليد صالح خليل، بصائد التماسيح المعروف، علي بلة، معلناً توفير جميع الإمكانات المطلوبة لبدء حملة إصطياد التماسيح المفترسة التي تهدد حياة السكان هناك.
وأكد علي بلة جاهزيته الكاملة للبدء في تنفيذ الحملة، موضحاً أن الانطلاقة ستكون من جزيرة صاي والمواقع التي رُصدت فيها التماسيح خلال الأيام الماضية، وسط مطالبات شعبية بإستمرارعمليات الصيد وعدم الإكتفاء بالحلول المؤقتة.
بلاغات متكررة:
لم تعد المخاوف محصورة في عبري وحدها، إذ شهدت الأيام الماضية بلاغات متكررة عن ظهور تماسيح في عدد من المناطق، بينها الباوقة، وفتوار، والجول، والسليمانية، وخور أبو جداد، بولاية نهر النيل، كما رُصد تمساح كبير في قرية ود السيد بمنطقة شرق الجزيرة، الأمر الذي دفع الأهالي إلى إطلاق تحذيرات عاجلة ومنع الأطفال الإقتراب من ضفاف النيل.. كما ظهر تمساح آخر قبالة منطقة، دويم ود حاج، شمال غرب المدوقة، وهي منطقة كانت تعج بالأطفال والشباب في ذلك اليوم، إلا أن العناية الإلهية حالت دون وقوع كارثة جديدة.. ويرى عدد من الصيادين أن كثرة الجزر غير المأهولة بالسكان، خاصة في بحيرة حلفا القديمة، وفرت بيئة مثالية لتكاثر التماسيح، مؤكدين أن هذا الحيوان قادر على قطع مسافات طويلة سباحة عبر النيل، الأمر الذي يجعل الخطر قائماً على إمتداد الولاية الشمالية.
ويربط خبراء الحياة البرية بين تزايد ظهور التماسيح ودورة حياتها الطبيعية..فأنثى التمساح المعروفة في الولاية الشمالية بـ(الصفيراء) تضع ما بين (20 ــ 80) بيضة داخل أعشاش تبنيها بالقرب من ضفاف النيل، ثم تحرسها طوال فترة الحضانة التي تمتد قرابة ثلاثة أشهر.. وبعد الفقس تنقل صغارها إلى المياه وتحميها بشراسة من أي خطر يقترب منها.. وخلال هذه الفترة تصبح التماسيح البالغة أكثر عدوانية في الدفاع عن أعشاشها وصغارها، وهو ما يفسر تشديد السلطات على ضرورة الإبتعاد عن ضفاف النيل وعدم السباحة أو النزول إلى المياه في المواقع التي رُصدت فيها التماسيح.. وتعيش التماسيح لعقود طويلة قد تصل إلى سبعين عاماً، ومع نموها تتحول إلى مفترسات قادرة على إصطياد الأسماك والطيور والثدييات، بل وقد تهاجم الإنسان إذا شعرت بالتهديد أو وجدت فرصة مناسبة لإلتهامه.
تمساح حاج الماحي:


وجود التمساح في شمال السودان ليس ظاهرة جديدة، فقد ظل حاضراً في الموروث الشعبي منذ مئات السنين، ومن أشهر الشواهد على ذلك قصيدة المادح، الشيخ حاج الماحي، التي نظمها قبل نحو قرن ونصف، متضرعاً إلى الله أن يرفع خطر تمساح أرعب ديار الشايقية تلك الفترة، وهو ما يؤكد أن هذا المفترس ظل جزءاً من تاريخ المنطقة وذاكرتها.. غير أن المختصين يرون أن التعامل مع الخطر اليوم يجب أن يعتمد على حلول علمية، تشمل الرصد المستمر، وتكثيف حملات الصيد في المناطق المأهولة، وإقامة لوحات تحذيرية، ونشر الوعي بين المزارعين والصيادين، مع منع الأطفال من السباحة أو الإقتراب من ضفاف النيل في المناطق الخطرة التي تتواجد بها التماسيح.
التعامل بجدية:
أعادت مأساة جزيرة صاي ملف التماسيح إلى واجهة الإهتمام، وأثبتت أن التعايش مع النيل لم يعد يقتصر على الإستفادة من خيراته، بل يتطلب أيضاً التعامل بجدية مع مخاطره الطبيعية.. وبين التحركات الرسمية وحملات الصيد، تبقى الوقاية والوعي المجتمعي حجر الأساس لحماية الأرواح، حتى لا تتكرر هذه الفواجع، وحتى يظل النيل، الذي كان عبر التاريخ شريان الحياة، بعيداً عن أن يتحول إلى مصدر دائم للخوف والرعب.. وليرحم الله سبحانه وتعالى، الشهيد الشاب، عمر محمد عمر عبد الخالق، ويعوض شبابه الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء، وخالص العزاء لأسرته المكلومة.