أهرامات السودان مهددة بالدفن بسبب الزحف الصحراوي الرملي
تواجه بعض المواقع الأثرية السودانية تهديدات خطرة تمس وجودها، إذ تتزايد المخاوف بصورة أساس على مواقع جزيرة مروي الثرية (النقعة والمصورات والمدينة الملكية وأهرام البجراوية) بخاصة في ظل تزايد عمليات الزحف الصحراوي الرملي وتجمعات الكثبان الرملية المتكدسة، مما يعني خطراً يهدد المعابد والأهرام بالردم والدفن ومحو وتآكل النقوش والرموز على جدرانها.
تمثل هذه المواقع معقل آثار مملكة “كوش” التي يتجاوز عمرها 2300 عام، بولاية نهر النيل شمال البلاد، والمدرجة منذ 2011 ضمن قائمة التراث العالمي، لكنها تعاني الإهمال منذ اندلاع الحرب، إلى جانب غياب المراقبة وتوقف تدابير الصيانة الوقائية المرتبطة بنظافة الأملاح التي بدأت تتسبب بتآكل جدران المعابد الجنائزية.
مهددات وأزمات
في السياق، يقول الباحث الأثري مجدي صالح إن “مواقع جزيرة مروي الثرية تواجه تهديدات كبيرة تتمثل في غياب وتوقف فريق العمل الميداني الخاص بالمراجعة والصيانة الدورية على مدى أكثر من ثلاثة أعوام بسبب تداعيات الحرب”، وأضاف “أدى الزحف الصحراوي إلى تراكم الكثبان الرملية التي تؤثر في سلامة الحجر الرملي الهش وما عليه من نقوش ورسومات، فضلاً عن تداعيات الأمطار الغزيرة، إذ يلحق تسرب المياه وارتفاع الرطوبة الضرر بجدران الأهرام والمعابد الجنائزية”.
وأوضح صالح أن “الهاجس الأكبر بعد معاينة بعض المواقع كان ظهور أملاح على الحجر الرملي بسبب الرطوبة، وقد لوحظ وجودها في عدد من المعابد الجنائزية التي جرت معاينتها”، وتابع “ضعف الإمكانات يحول دون القيام بأي عمل ميداني والشروع في الصيانة الوقائية والمعالجة، وليس بإمكان المسؤولين سوى المراقبة وكتابة التقارير وطلب الدعم والتمويل من الجهات المتخصصة والمنظمات المعنية والمهتمة”.
وناشد الباحث الأثري بضرورة سرعة الاستجابة لتوفير الإمكانات حتى تتمكن الجهات المعنية من سرعة القيام ببعض الإجراءات الوقائية في ما يخص تنظيف الأملاح من جدران المعابد الجنائزية وإزالة تجمعات الكثبان الرملية المتكدسة في مناطق الأهرام والمناطق الأخرى.
معالجات عاجلة
في المنحى ذاته، أشار المتخصص في مجال الآثار والمتاحف جمال التجاني إلى أن “موقع المدينة الملكية المتاخمة لنهر النيل يتعرض لمهددات كبيرة بفعل عوامل التعرية الطبيعية، بإضافة إلى أخطار السيول والفيضانات”.وشكا التجاني من توقف الصرف المالي على المواقع الأثرية وصيانتها ومتابعتها من قبل الهيئة العامة للآثار والمتاحف كممثل لحكومة السودان، منذ عام 2020، ومن ثم أصبحت هناك صعوبة في تمويل فريق المراقبة الدائم.
ولفت إلى أن “أهرام مملكة مروي بالبجراوية تتعرض لعوامل تعرية تهدد سلامتها وتعرضها لخطر الانهيار واندثار ما فيها من نقوش تمثل جزءاً من قيمتها الاستثنائية، بوصفها أهم المواقع الأثرية في البلاد، وتمثل رمزاً للهوية السودانية”.ونوه بأن “تراكم الرمال حول الأهرام يمثل الخطر الأكبر، وهو السبب في تسرب الرطوبة إلى جدران المعابد الجنائزية، ولا بد من معالجات عاجلة من أجل المحافظة على جزء مهم من تراث الأمة السودانية”.
تعزيز الحماية
على نحو متصل، أوضح مدير موقع التراث العالمي في جزيرة مروي، محمود سليمان محمد بشير أن “التدابير لحماية مواقع التراث الثقافي العالمي في السودان تركز على تعزيز حماية المواقع الأثرية وزيادة قدرتها على الصمود، وتشمل أهرام البجراوية والمدينة الملكية”.وبين أن “الإجراءات تشمل إزالة الكثبان الرملية وفتح مصارف مياه الأمطار في أهرام البجراوية، وكذلك تنظيف الغطاء النباتي الكثيف من المدينة الملكية في مدينة مروي”.
ونوه بشير بأن “التغيرات المناخية تمثل خطراً مباشراً على المواقع الأثرية، بخاصة مع تزايد معدلات الأمطار خلال العامين الماضيين وتراكم الكثبان الرملية أمام الأهرام، مما يعرض الحجر الرملي الهش للتعرية، كذلك أسهمت الرياح والرطوبة في نمو كثيف للأشجار، في وقت يشكل فيه غياب أنظمة تصريف المياه تهديداً مباشراً للمباني الأثرية”.
ودعا مدير موقع التراث العالمي بجزيرة مروي إلى توفير دعم مالي وفني كبير لتنفيذ إجراءات إسعافية عاجلة، فضلاً عن وضع خطط طويلة الأمد لترميم الأهرام وتأهيل الكوادر وتوفير مواد الترميم، بإضافة إلى إجراء دراسات متخصصة حول تأثيرات المناخ في المنطقة لضمان استدامة الجهود.وواصل في القول “أهرام البجراوية ومعابدها الجنائزية تحمل سجلاً فريداً لتاريخ الملوك والملكات السودانيين، وتشكل رمزاً للهوية الوطنية وواجهة حضارية عالمية تستحق الحماية العاجلة والمستمرة”.
تدابير طارئة
على صعيد ذي صلة، أعلن مركز التراث العالمي التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، عن تنفيذ حزمة تدابير طارئة لحماية مواقع التراث الثقافي العالمي في السودان، استجابة للتأثيرات المتزايدة لتغير المناخ وتداعيات الحرب.وفي هذا الصدد، قال مدير مكتب “اليونيسكو” في السودان أحمد جنيد سوروش إن “هذه المواقع تواجه أخطاراً عدة، تشمل التغير المناخي والفيضانات والزحف الرملي، إضافة إلى تداعيات الحرب الأخيرة، لكننا نعمل مع شركائنا الوطنيين والدوليين لحشد الدعم الفني والمالي، وتعزيز قدرات الكوادر السودانية على إدارة هذا التراث وصونه”.
وأوضح سوروش أن “اليونيسكو” أطلقت خطة طوارئ مدة عامين تهدف إلى دعم القطاعات الثقافية والتعليمية والعلمية والإعلامية في السودان، وتشمل برامج للتوثيق والتدريب، وكذلك مكافحة الإتجار غير المشروع بالقطع الأثرية، فضلاً عن مشاريع لترميم المواقع المتضررة.
قائمة التراث العالمي
وتضم جزيرة مروي ثلاث مجموعات أثرية، هي العاصمة الكوشية مروي (المدينة الرئيسة والمقبرة)، وموقع “النقعة” و”المصورات” وأهرام البجراوية، وهي تمثل أهم المواقع السودانية التاريخية المسجلة ضمن قائمة التراث العالمي.
وفق “اليونيسكو” تضم الجزيرة من بين آثار أخرى، الأهرام والمعابد والتماثيل ومزارات منذ الحقبة المروية (350 ق م، حتى 350 م)، إلى جانب مساكن ومنشآت كبرى، تتصل كلها بشبكة واحدة للمياه، وإمبراطورية الكوشيين كما وصفتها المنظمة ذات امتدادات على مساحة شاسعة من البحر الأبيض المتوسط حتى قلب أفريقيا، وشهدت خلالها تلك المنطقة تبادلاً في الهندسة والفنون واللغات والأديان بين المنطقتين.
ويوجد في السودان ثلاثة مواقع أثرية وتراثية مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي بعد إقرارها بواسطة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونيسكو”، هي مواقع جبل البركل، ومواقع المنطقة النوبية التي أدرجت في عام 2003، ويضم الجبل عدداً من المواقع الأثرية النوبية منها 13 معبداً، وثلاثة قصور وعدداً من الأهرام (نحو 15 هرماً) تحمل أسماء ملوك وملكات مملكة “كوش” خلال تلك الفترة، ثم أضيفت منطقة مروي عام 2011، وبعدها جرى تسجيل المحمية البحرية القومية لجزيرة “سنقنيب”، والحديقة البحرية بمنطقة دنقناب بجزيرة “مكوار” في عام 2016، وعام 2021 أضافت “اليونيسكو” خمسة مواقع سودانية إلى القائمة الموقتة، كخطوة أولى ضمن القائمة العالمية للتراث.