شبهات وتساؤلات حول مشروع تحسين نسل الماعز بوحدة التضامن محلية الدبة
- المستفيدون: المنظمة سلمتنا بعد التدريب ماعزا عجفاء مريضة
- مسؤول: الماعز التي سلمتها المنظمة للمتدربين لا تصلح لتحسين نسل الماعز المحلية
- خبير: ماعز المنظمة محلية صحراوية وليست من سلالات عالمية معروفة
تحقيق ــ عادل الحاج:
في مشهد يطرح تساؤلات حول الفارق بين أهداف المشروعات الطوعية المعلنة وواقع تنفيذها .. وجد عدد من المستفيدين بالوحدة الإدارية بالتضامن التابعة لمحلية الدبة الولاية الشمالية أنفسهم أمام ماعز وصفوها بالهزيلة والضعيفة رغم مشاركتهم في دورة تدريبية اشرفت عليها إحدى المنظمات العالمية لتأهيلهم لتربية الماعز الحلوب وتحسين نسل الماعز المحلية وإنتظروا لاستلامها خمسة أشهر من المشروع الذي تقول إفادات المستفيدين إنه نُفذ بمشاركة واحدة من المنظمات العالمية وبالتنسيق مع جهات معنية بالثروة الحيوانية وبعض الجهات الحكومية.. إستهدف المشروع دعم المواطنين وتطوير قدراتهم في تربية الماعز بما يسهم في تحسين الإنتاج الحيواني وتعزيز مصادر الدخل للأسر المستفيدة.. التحقيق التالي يكشف من الولاية الشمالية ملابسات هذه القضية وحقيقة هذا المشروع الذي سلم المستفيدين ماعز هزيلة عجفاء بدلا من الماعز المحسنة التي وعدوهم بها.
تساؤلات وروايات:

بحسب الشهادات التي جمعتها الصحيفة، تلقى المستفيدون تدريباً على أساليب التربية والرعاية وتحسين النسل، بمشاركة طبيب بيطري، وبحضور مسؤولين من المنظمة ومسؤول من الثروة الحيوانية، غير أن التساؤلات بدأت، وفق رواياتهم، عند مرحلة التسليم، بعدما قالوا إن حالة الحيوانات التي تسلموها لا تتفق مع توقعاتهم بشأن المشروع.
وتفيد المعلومات التي حصلت عليها الصحيفة بأن كل مستفيد تسلّم ثلاثة رؤوس من الماعز، لكن الشهادات تطرح أسئلة بشأن الحالة الصحية للحيوانات عند التسليم، ومدى مطابقتها للمواصفات التي بُني عليها التدريب، والإجراءات التي سبقت توزيعها على المستفيدين.
وفي إفادة تستدعي التحقق، أكد كل من ،بهاء الدين محمد سيد أحمد، ومجاهد عبد الرحيم الخضر، وخلف الله بشرى الحاج، أنهم شاهدوا أربع رؤوس من الماعز نافقة داخل حظيرة التسليم قبل إستلام المستفيدين للحيوانات، وذلك قبل تسليمهم، وفقاً لإفاداتهم.
وتثير هذه الشهادات تساؤلات بشأن الحالة الصحية للقطيع قبل تسليمه للمستفيدين، والإجراءات البيطرية التي اتُّخذت للتأكد من سلامة الحيوانات، وما إذا كانت حالات النفوق قد سُجلت وأُبلغت بها الجهات المختصة.
ولم تتوفر ل(أصداء سودانية) صور أو وثائق مستقلة توثق واقعة النفوق حتى إعداد هذه المادة للنشر، كما لم يتسنَّ من المعلومات المتاحة تحديد أسباب نفوق الرؤوس الأربع أو ربطها بمرض بعينه، لذلك تظل هذه الإفادات بحاجة إلى مراجعة سجلات الحظيرة وتقارير الفحص البيطري والإستماع إلى الجهات المشرفة على المشروع.. ومع ذلك، فإن إتفاق الشهود الثلاثة على أنهم عاينوا الرؤوس النافقة بأنفسهم يجعل الواقعة جديرة بالتحقق، خصوصاً على ضوء ما أورده مستفيدون آخرون بشأن الحالة العامة للحيوانات التي تسلموها.
الماعز رقم 2822:

قال ،مجاهد عبد الرحيم الخضر، أحد المستفيدين الذين تحدثوا إلى الصحيفة، إنه تسلّم الماعز نيابة عن خاله عبد الحفيظ محمد نور، موضحاً أن نصيب المستفيد كان ثلاث رؤوس.. وأضاف أن إحدى الرؤوس، التي تحمل الرقم (2822)، نفقت صباح يوم الإستلام، مشيراً إلى أن بعض الحيوانات الأخرى لم تكن قادرة على المشي بصورة طبيعية، وفقاً لملاحظته.
وتزداد أهمية هذه الإفادة عند مقارنتها بما ذكره المستفيدون عن وجود إستمارة فحص تفيد بسلامة الماعز، وهنا يبرز سؤال جوهري: ما طبيعة الفحص الذي أُجري للحيوانات؟.. ومتى تم؟.. وما المعايير التي إستند إليها؟ ..وهل خضعت الحيوانات لمعاينة بيطرية مباشرة قبيل التسليم؟.
ولا تكفي واقعة النفوق وحدها لتحديد سببه أو إثبات وجود خلل في الفحص، لكنها تستدعي مراجعة السجلات البيطرية ومعرفة ما إذا كانت الحالة الصحية للرأس النافقة قد دُوّنت، والإجراءات التي اتُّخذت عقب ذلك
وأشار، مجاهد ،كذلك إلى أنه دفع مبلغ عشرة آلاف جنيه مقابل ترحيل الماعز، وتحدث عن تأخر توفير الأعلاف، وهي تفاصيل تفتح باباً إضافياً للأسئلة بشأن التكاليف التي تحملها المستفيدون، والترتيبات التي أُعدت لضمان رعاية الحيوانات عقب تسليمها.
كما لم يكن متأكداً مما إذا كانت الماعز التي تسلمها حوامل أو حلوباً، وهي نقطة مهمة بالنظر إلى أن المشروع يستهدف، وفقاً لما فهمه المستفيدون من التدريب، الإستفادة من إنتاج الحليب وتحسين النسل.
عزل الماعز:

من جانبه قال، خلف الله بشرى الحاج ،إنه قرر عزل الماعز التي تسلمها عن قطيعه المحلي، خوفاً من إحتمال إنتقال مرض إليها، في ضوء ما لاحظه من ضعف وأعياء واضح في الحيوانات.. مشيرا: الماعز بدت أقرب إلى الماعز البلدية المحلية منها إلى الماعز المحسنة التي كنت أتوقع الحصول عليها، كما لاحظت أن بعض الحيوانات لم تكن قادرة على تناول العلف الأخضر بصورة طبيعية بحسب مشاهدتي لها.
وتبقى هذه الملاحظات إنطباعات شخصية لا تكفي وحدها للحكم على السلالة أو إثبات إصابة الحيوانات بمرض معد، فتحديد السلالة يحتاج إلى بيانات موثوقة عن مصدر الحيوانات وصفاتها الوراثية، بينما يتطلب تشخيص المرض فحصاً بيطرياً متخصصاً.. لكن إفادة ،خلف الله ،تطرح تساؤلات مشروعة عن المعلومات التي قُدمت للمستفيدين بشأن سلالة الماعز، ومدى توضيح خصائصها الإنتاجية وإحتياجاتها الغذائية، وما إذا كانت قد خضعت للفحوص اللازمة قبل التسليم.
وراء السراب:
لم يُخفِ المستفيد، عبد العظيم أحمد محمد سيد أحمد، إستياءه من حالة الماعز التي تسلمها، واصفاً الحيوانات بالضعف والهزال، معبراً عن خيبة أمله إزاء الفارق الذي رآه بين ما تلقاه المستفيدون خلال التدريب وما وجدوه عند التسليم، وقال: لو كنت أعلم أنني سأسلّم ماعزاً هزيلة ومريضة، لما أضعت وقتي جرياً وراء السراب. وتسائل، عن جدوى تدريب المواطنين على تربية الماعز المهجنة والحلوب وتحسين النسل، إذا كانت الحيوانات التي تسلّم إليهم، لا تعكس المواصفات التي توقعوها من المشروع.
وتعكس هذه الإفادة جانباً من مخاوف المستفيدين، لكنها تطرح في الوقت نفسه ضرورة التمييز بين المظهر الخارجي للحيوان وبين خصائصه الوراثية والإنتاجية، فالهزال قد يكون مؤشراً يستدعي الفحص، لكنه لا يثبت وحده أن الحيوان غير محسّن السلالة أو أنه مصاب بمرض.
ومن هنا، فإن الفيصل ينبغي أن يكون في مستندات شراء الماعز ومصدرها، والمواصفات الفنية المعتمدة للمشروع، وتقارير الفحص البيطري، وأي بيانات متاحة عن إنتاج الحليب أو الحالة التناسلية للحيوانات.
شهادة خبير:

وفي سياق البحث عن طبيعة الماعز التي سُلّمت للمستفيدين، قال خبير من مربي الأغنام والماعز بالولاية الشمالية، إن الماعز التي شاهدها لدى بعض المستفيدين تبدو، بحسب تقديره وخبرته في التربية، من الماعز المحلية المعروفة بقدرتها على التكيف مع البيئة الصحراوية الجافة، والإعتماد في غذائها على الأشجار والنباتات الشوكية، مثل السَّلَم والسِّرح والسِّيال.. وقال:
هذه الماعز تتميز بقدرتها على تحمل الظروف البيئية القاسية، لكنه رأى أن الإستفادة الإنتاجية منها لا تختلف، في تقديره، عن الماعز البلدية التي يربيها المواطنون في منازلهم، سواء من حيث إنتاج الحليب أو الاستفادة من اللحوم.. واضاف ضاحكا:(هذه الماعز لا هي حلوب يُستفاد من لبنها، ولا هي سمينة يُستفاد من لحمها).
إفادة مسؤول:
وفي شهادة أخرى، قال مسؤول شارك في تدريب المستفيدين، وفضّل عدم الكشف عن إسمه، إنه فوجئ بنوعية الماعز وشكلها عند التسليم، معتبراً أنها لا تتطابق، وفق تقديره، مع الحيوانات التي عُرضت خلال التدريب، واصفا الماعز بأنها ضعيفة وهزيلة، وأشار إلى وجود أمور أثارت إستغرابه، من دون أن يقدم، وفق المعلومات المتاحة للصحيفة، أدلة مستقلة تثبت وقوع مخالفة محددة.
وتكتسب هذه الإفادة أهمية من زاوية المقارنة بين مرحلة التدريب ومرحلة التسليم، لكنها لا تمثل في حد ذاتها إثباتاً لوجود تلاعب أو مخالفة، ويتطلب حسم المسألة الإطلاع على مواصفات الحيوانات التي جرى الإتفاق على توفيرها، ومقارنتها بالحيوانات المسلّمة فعلياً، إلى جانب مراجعة مستندات الشراء والفحص والاستلام.. والسؤال الذي يطرح نفسة بقوة هنا .. هل ستقوم المنظمة المعنية والجهات الحكومية العليا في الولاية الشمالية بمراجعة ملابسات هذه القضية مع الجهات المختصة والمنفذة لمشروع الماعز المهجن والحلوب؟.. سؤال ننتظر إجابه حاسمة له