مع انحسار النيل الأزرق بالسودان.. سد النهضة برئ أم جاني؟
تقرير- الطيب عباس
يشهد النيل الأزرق، في السودان، هذه الأيام انخفاضاً ملحوظاً في الإيراد اليومي. وقد أدى هذا الانحسار إلى ظهور مساحات واسعة من ضفاف النهر وتوقف بعض محطات مياه الشرب عن الخدمة، مما دفع وزارة الزراعة والري، لإطلاق تحذيرات ومتابعة الموقف.
ويمثل تراجع منسوب المياه في نهر النيل بالسودان بحسب مراقبين، تحدياً استراتيجياً يهدد الأمن المائي والغذائي، ويرتبط هذا الانخفاض بشكل رئيسي بانخفاض الإيراد المائي، في وقت يتزامن مع بدء موسم الزراعة بالسودان، ما يشكل تهديدا مباشرا لحياة الملايين.
تفسير وزارة الري:

يعود الانخفاض المؤقت أو التراجع في مناسيب نهر النيل في السودان بحسب خبراء، بشكل أساسي إلى انخفاض التصريف اليومي للمياه من سد النهضة الإثيوبي، والذي أدى بدوره إلى تراجع وارد مياه النيل الأزرق وتأثيره المباشر على الخزانات السودانية مثل خزان الروصيرص وخزان سنار.
وحسب وزارة الري، فإن الأسباب الرئيسية تتمثل في تراجع تصريف سد النهضة، بانخفاض كميات المياه التي تطلقها إثيوبيا عبر السد، مما أدى إلى تراجع الوارد اليومي لبحيرة خزان الروصيرص بشكل حاد.
وأكدت الوزارة أن تشغيل سد النهضة أحدث تغييراً في طبيعة التدفقات المائية المعتادة، بجانب عوامل طبيعية ومناخية ساهمت في تذبذب معدلات الأمطار الموسمية في الهضبة الإثيوبية، بالإضافة إلى تراجع التدفق في الروافد الطبيعية.
تفسيرات أخرى:
يرى الخبير الدولي والمستشار السابق بوزارة الري، أحمد المفتي إن انحسار المياه الذي يشهده السودان خلال مرحلة ملء سد النهضة يُعد أمراً غير مسبوق، موضحاً أن السد يحول دون انسياب المياه كما كان يحدث في السابق.
وأضاف المفتي، في تصريحات صحفية، أنه بعد اكتمال ملء السد، فإن أي كميات من الأمطار تهطل في إثيوبيا ولا تكون البلاد في حاجة إليها، ستنساب إلى دولتي المصب، الأمر الذي قد يؤدي إلى حدوث فيضانات، موضحا أن تشغيل سد النهضة وتوليد الكهرباء يؤثران أيضاً على كميات المياه المنسابة إلى السودان، لا سيما إذا جرى التشغيل من دون تنسيق مع الخرطوم، مشيراً إلى أن السودان كان يدير سدوده قبل قيام سد النهضة بالاعتماد على المتابعة اللصيقة للفيضان الطبيعي المعروف بتدفقاته، بما يتيح التحكم في إدارة المياه.
وتابع المفتي أن الفيضان إذا جاء أعلى من المتوسط تحدث فيضانات محدودة ومقدور على التعامل معها، وإذا جاء أقل من المتوسط تحدث انحسارات محدودة ومقدور عليها كذلك. وأضاف أن ملء وتشغيل خزان بسعة تتجاوز 60 مليار متر مكعب، وهي سعة تفوق الإيراد السنوي للنيل الأزرق، من دون تنسيق مسبق مع دولتي المصب، من الطبيعي أن يؤدي إلى كوارث، سواء في صورة انحسار للمياه أو فيضانات.
وتوقع المفتي، أن يعود منسوب المياه في نهاية المطاف إلى معدلاته الطبيعية، لكنه قد يتجاوزها سريعاً، بما يؤدي إلى فيضانات أكثر ضرراً من الانحسار، وأضاف لا أعتقد أن هناك تنسيقاً مع إثيوبيا، وإلا لما ظل السودان يطالب باتفاق قانوني ملزم للملء والتشغيل.
سبعة سنوات عجاف:

تداول ناشطون مقاطع فيديو لظهور جزر في النيل الأزرق قبالة الخرطوم، في مشهد يظهر للمرة الأولى في تاريخ النهر بالعاصمة، وسط مخاوف جدية من أن يؤدي هذا الانحسار إلى تلف المحاصيل الزراعية التي ستموت عطشا، ومع طمأنة وزارة الزراعة والري المواطنين بمراقبتها للوضع، يقول أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة نادر نور الدين، إن هذه السنة هى بداية الـ7 سنين العجاف لنهر النيل، بسبب تخزين أثيوبيا للمياه دون أي مشورة، وأوضح نور الدين، أن المنظمات المائية الدولية سبق وأن حذرت من أن هذا العام يشهد انخفاضاً حاداً في إيراد النيل الأزرق، ليتراجع من متوسطه المعتاد البالغ 50 مليار متر مكعب إلى نحو 20 أو 25 مليار متر مكعب فقط.
ورغم تطمينات وزارة الزراعة السودانية، فإن أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، يقول إنه لم يصل إلى السودان خلال شهر يوليو الحالي أي كميات من حصته الموسمية المعتادة البالغة 12 مليار متر مكعب، بسبب قيام إثيوبيا بحجز المياه وملء النقص الناتجة عن البخر في بحيرة السد.
يبقى القول بحسب خبراء أن ظاهرة انحسار النيل بالخرطوم ستتكرر خلال السنوات المقبلة، وستشمل خطرا على الموسم الزراعي مالم يتحرك السودان ومصر لإرغام أثيوبيا على توقيع اتفاق ملزم لإدارة سد النهضة، مشيرين إلى طمأنة وزارة الزراعة السودانية للمزارعين تفاؤل لا يسنده الواقع.