آخر الأخبار

جدلية العجز في السودان: بين المجتمع الكسيح والنخب المازومة

د. علي إبراهيم محمد تروك

 

 

 

إن الأزمات السودانية المتكررة ليست وليدة الأخطاء التي ارتكبت من قبل الآخرين، الهندسة الاستعمارية، فقط، أو الظروف الخارجية. بل هي نتاج وممارسة متكررة لفشل سياسي وبنيوي من قبل النخب الحاكمة والمثقفة، بمختلف أطيافها عسكرية ومدنية وتقليدية ومعارضة وحركات متمردة. الفشل في فهم التنوع وإدارته ثقافياً واجتماعيًا وجغرافياً وعرقياً. وميلها لفرض نماذجها واتجاهاتها الفكرية والقبلية، وفرض نماذج العزلة والخضوع، لمجتمعات الهامش، في زمن تلاشت فيه الحدود، وفقدت فيه الدولة الحديثة سيادتها..

 

 

 

«مجتمع كسيح ونخب مازومة»، نحن الآن أمام مفارقة سوسيولوجية تختصر جانبًا من أزمة المجتمع في السودان. كيف يصبح المجتمع، بما يختزنه من طاقات بشرية كفؤة وموارد مادية معتبرة وإمكانات تاريخية، عاجزًا عن تحويل مطالبه إلى قوة تغيير، في حين تتمكن بعض النخب الفاسدة، محدودة المقدرات والكفاءة من إعادة إنتاج نفوذها وتوسيع امتيازاتها؟. إن المسألة هنا لا تتعلق بمجرد فساد أخلاقي لدى أفراد، ولا بضعف ذاتي لدى المجتمع، ولا لمنظومة قيمية مفروضة، بل ببنية من العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي قد تجعل العجز قاعدة للاستمرار، والامتياز وسيلة لإعادة إنتاج السلطة.

 

 

إن وصف المجتمع بالكساح لا ينبغي أن يُفهم باعتباره حكمًا على طبيعته أو قدراته، بل بوصفه استعارة لحالة من التعطيل التاريخي الممنهج للفعل الجماعي. فالمجتمع لا يعجز بالضرورة لأنه يفتقر إلى الوعي، وإنما قد يعجز لأن الشروط التي تسمح بتحويل الوعي إلى ممارسة تظل محدودة، تفاوت في امتلاك الموارد، وضعف في الوسائط السياسية، وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة؛ السيادية والتنفيذية و التشرىعية، واتساع المسافة بين المواطنين ومراكز القرار. لأن من يكون في صناعة القرار مأزوم هو الآخر بالصراع مع طواحين الهواء، لأن في تصرفاته الصبانية، يشفي صدور صبية مثله، يحملون نفس الخواء العقلي الذي يتملكه.

 

 

 

وهكذا ترى شخصاً تظن من منصبه أنه يمكن أن يستفاد منه، ولكنك تكتشف أنه قزم في تفكيره وتصرفاته.
وحين تستنزف ضرورات العيش اليومي طاقة المواطن، وتفقد المشاركة العامة قدرتها على إحداث التغيير، يتحول الإحباط الفردي إلى ظاهرة إجتماعية، ويتسلل اليأس للشباب، ولا يبقي له إلاَّ أن يركب قوارب الموت، للهروب الكبير. ويصبح العزوف السياسي أحد أعراض أزمة أعمق تتعلق بعلاقة المجتمع بالسلطة. كيف للمواطن أن يفاضل بين مشروعات عدد لا يحصي من الأحزاب، والكيانات والتنظيمات السياسية، والقبلية والإثنية، والمناطقية والهوية، يقودها زعماء تقليديون وأبديون في رئاسة أحزابهم. كيف لا وهم يملكونه ملك يمين، وكلهم يطالب بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وهو لا ولن يسمح أن يفوض شخص من أنصاره إطلاقاً ناهيك عن تداول سلمي.

 

هذا نهج النخب المأزومة التي تخشى التغيير.لكن المفارقة أن هذا العجز لا يعني غياب المقاومة، فقد يحتج الناس، ويتضامنون، ويرفضون أوضاعهم، من وقت لآخر، لكن من دون أن يتمكنوا دائمًا من بناء مشروع جماعي مستمر، لماذا؟
لأن النخبة الفاسدة والمأزومة، لا تستطيع أن تقدم شيئاً مفيداً.

 

 

 

وهنا ينبغي التمييز بين وجود الرغبة في التغيير والقدرة على إنجازه؛ فالأولى قد تتجلى في انفجارات احتجاجية متكررة، بينما تحتاج الثانية إلى تنظيم مستقل، ووعي نقدي بناء، وقيادة مبدعة وشفافة ومؤثرة. ومؤسسات قادرة على تحويل المطالب المتفرقة إلى قوة إجتماعية وسياسية. ومن ثم، فإن السؤال ليس لماذا يعجز المجتمع عن الحركة فحسب، بل ما الذي يحول دون تنظيم حركته، وما المصالح التي تستفيد من بقائه في حالة التشظي والتشتت.

 

 

 

 

في هذا المستوى، يكتسب مفهوم «النخب المأزومة» دلالته الأساسية. فالتازم لا يُختزل في الإنحراف الأخلاقي أو في سلوك أفراد يسعون إلى مصالحهم الخاصة فحسب، بل يمكن فهمه بإعتباره نتيجة لتحول السلطة إلى امتياز، وانفصال المسؤولية العامة عن المصالح التي يفترض أن تخدمه، حين تتداخل الثروة بالنفوذ السياسي – زواج المتعة – السلطة والثروة، وتضعف قيم الشفافية والنزاهة والمحاسبة. وتصبح فرص التأثير في القرار متفاوتة بين الفئات الإجتماعية. قد تتحول المؤسسات من أدوات لتنظيم المصالح العامة إلى فضاءات لإعادة إنتاج الامتيازات، والنفوذ. وبذلك لا تكون النخب المأزومة مجرد سبب لأزمة المجتمع، بل قد تكون أيضًا نتاجًا لبنية تسمح للفساد أن يستوطن في بنية المجتمع. هنا لابد لثورة معرفية. قبل أي ثورة سياسية، لبناء الوعي الجمعي للمجتمع، وتحرير المجتمع من ثقافة القطيع، وتحرير الدولة من القبيلة، وتحرير القبيلة من نفسها. هنا نصل إلى نتيجة مفادها لماذا لا تهتم الدولة بمجتمعها، ولا تعترف القبيلة بدولتها.