
حوار سوداني- سوداني.. من يمثل السودان في زمن الانقسام الكبير؟
عمرو خان
*في خضم حربٍ طاحنة أنهكت السودان، وأعادت تشكيل جغرافيته السياسية والاجتماعية، يتردد مصطلح (الحوار السوداني– السوداني) بوصفه مخرجًا محتملًا من الأزمة. يبدو المصطلح في ظاهره جامعًا، وطنيًا، ومطمئنًا، لكنه في جوهره يثير سؤالًا أكثر تعقيدًا وخطورة : من هم السودانيون الذين سيتحاورون؟ ومن يمتلك شرعية تمثيل هذا البلد الذي تفكك إلى هويات متنازعة، ومراكز قوى متصارعة، وسرديات متضاربة؟
المعضلة ليست في غياب الرغبة في الحوار، بل في غياب تعريف واضح لمن يحق له الجلوس إلى طاولة الحوار.. فالسودان اليوم لم يعد كيانًا سياسيًا متماسكًا يمكن اختزاله في نخبة مركزية أو قوى سياسية تقليدية. لقد أعادت الحرب إنتاج السودان كمساحات متعددة: جغرافيا متشظية، ومجتمعات محلية تبحث عن البقاء، وقوى عسكرية تفرض أمرًا واقعًا، ونخب سياسية تعيش في المنفى أو على هامش التأثير.
*عندما يُطرح مفهوم (الحوار السوداني–السوداني)، غالبًا ما يُفهم ضمنيًا أنه حوار بين القوى السياسية التقليدية: أحزاب، حركات مسلحة، وربما بعض الشخصيات المستقلة.. لكن هذا التصور يتجاهل حقيقة أن هذه القوى نفسها فقدت جزءًا كبيرًا من شرعيتها.. فالأحزاب التي كانت تدّعي تمثيل الشارع لم تعد قادرة على الحشد، والحركات المسلحة التي رفعت شعارات الهامش تحولت في كثير من الأحيان إلى أطراف في الصراع، بينما غابت أصوات المجتمعات المحلية التي تحمل العبء الأكبر للحرب.
*الأخطر من ذلك، أن مفهوم (السودانيين) نفسه لم يعد بريئًا أو محايدًا.. لقد أفرزت الحرب تصنيفات جديدة للهوية: مناطقية، قبلية، عرقية، وحتى اقتصادية.. وأصبح الانتماء في كثير من الأحيان محددًا بالموقع الجغرافي أو الولاء العسكري، لا بالمواطنة الجامعة. في هذا السياق، فإن أي حوار لا يعترف بهذه التعقيدات محكوم عليه بالفشل، لأنه يتعامل مع السودان كما كان، لا كما أصبح.
*ثمة إشكالية أخرى تتعلق بطبيعة التمثيل.. هل يكون التمثيل سياسيًا فقط؟ أم يجب أن يشمل الفاعلين الاجتماعيين: زعماء المجتمعات المحلية، منظمات المجتمع المدني، لجان المقاومة، النساء، والشباب؟ التجارب السابقة في السودان تشير إلى أن إقصاء هذه الفئات يؤدي إلى اتفاقات هشة، سرعان ما تنهار أمام أول اختبار ميداني.. فالحوار الذي لا يعكس التوازن الحقيقي للقوى على الأرض، ولا يُعبّر عن تطلعات الناس، يتحول إلى مجرد وثيقة سياسية بلا أثر.
كما أن الحديث عن (حوار سوداني–سوداني) يتجاهل في كثير من الأحيان البعد الإقليمي والدولي للصراع. فالحرب في السودان لم تعد شأنًا داخليًا خالصًا، بل أصبحت ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية. وبالتالي، فإن أي حوار يتجاهل هذه الحقيقة، أو يحاول القفز فوقها، لن يكون قادرًا على إنتاج حل مستدام. السؤال هنا: هل يمكن فعلًا عزل الحوار عن هذه التأثيرات، أم أن المطلوب هو إدارتها ضمن إطار وطني واضح؟.
*من ناحية أخرى، يطرح مفهوم الحوار إشكالية التوقيت.. هل يمكن إجراء حوار حقيقي في ظل استمرار الحرب؟ أم أن وقف إطلاق النار شرط أساسي لبدء أي عملية سياسية ذات مصداقية؟ التجارب الدولية تشير إلى أن الحوارات التي تُجرى تحت صوت السلاح غالبًا ما تكون مشوهة، حيث تفرض موازين القوى العسكرية نفسها على طاولة التفاوض.. وهذا ما يهدد بتحويل الحوار إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمة، بدلًا من حلها.
*في ظل هذه التعقيدات، يبدو أن المطلوب ليس مجرد الدعوة إلى (حوار سوداني– سوداني)، بل إعادة تعريف هذا المفهوم من الأساس. يجب أن يكون الحوار شاملًا، لا إقصائيًا؛ واقعيًا، لا مثاليًا؛ مرتبطًا بمعاناة الناس، لا منفصلًا عنها. كما يجب أن يُبنى على أسس واضحة: من يمثل من؟ وفق أي معايير؟ وبأي ضمانات؟
قد يكون من الضروري التفكير في نماذج جديدة للتمثيل، تتجاوز الأطر التقليدية.. مثلًا، يمكن اعتماد تمثيل مناطقي يعكس الواقع الجغرافي للحرب، أو تمثيل وظيفي يشمل مختلف الفئات الاجتماعية، أو حتى مزيج من الاثنين. المهم هو أن يشعر السودانيون، بمختلف انتماءاتهم، أن صوتهم حاضر في هذا الحوار، وأنه ليس مجرد صفقة بين النخب.
*في النهاية، فإن السؤال من هم السودانيون الذين سيتحاورون؟ ليس سؤالًا تقنيًا، بل هو سؤال وجودي يتعلق بمستقبل الدولة نفسها.. فإذا لم يتم التعامل معه بجدية، فإن أي حوار سيظل ناقصًا، وربما يتحول إلى جزء من المشكلة بدلًا من أن يكون جزءًا من الحل.
*السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف الحرب، بل إلى إعادة تعريف نفسه: من هو؟ ومن يمثل من؟ وما هو العقد الاجتماعي الذي يمكن أن يجمع شتاته؟ دون الإجابة على هذه الأسئلة، سيظل الحوار السوداني–السوداني مجرد شعار جميل، يخفي وراءه أزمة عميقة لم تجد طريقها إلى الحل بعد.
*كاتب صحفي مصري