آخر الأخبار

حنانُ موتٍ غشيمْ

محمد اليحياوي – المغرب:

والموتُ يكادُ يُفتَتنُ بصَبرها، تبتسمُ إليهِ وتَقول: خُذْ قطعةَ حَلوى.. فيقتربُ مِنها تارةً، ليَنأى عنْها اكثرَ مِما اقتَرب.

تترقبُ الكُلّ على أملِ الوُقوفِ، على عكسِ مَجرى الحَياة.. في زمنٍ، يعدُّ الجريانُ فيهِ حقيقةً لا ستارَ يتلَقّفها

من يرغبُ بالحَلوى ؟ تعيدُ السُّؤال: من يرغبُ بالحَلوى ؟

لا أحدَ يستجيبُ لأنّاتها سِوى الموتُ. وها هوَ يقتربُ من جديدٍ يُواسيها، لتُعيدَ القولَ معَ ابتسامةٍ أكبرَ وبشاشةٍ أطْهر – خذْ لكَ قطعةَ حَلوى.

يتساءلُ، يستغربُ، ثم يبتعدْ.. يبدو أنّها رأتْ فيهِ جزءًا منْ نَفسها، أوَ ربّما رأتهُ الوحيدَ الذي يقفُ منْ أجْلِها

توالتْ على بائعةِ الحَلوى المحَن، وأرّقتْها الحَياةُ برَفضِها المُستمرّ لعَرضِها. أصبحَت المسكينَةُ كالأرْضِ، يُحدثُ فيها الماءُ قنواتٍ على مَرّ الزّمانِ كُلما توالتْ قطراتُ المَطرِ. كذلكَ فعلتْ بها خَيباتُ الأمَلِ المتَتاليَة.. حَفرتْ قَلبَها، وعبّأتْ روحَها شقاءَ الانتظارِ بمحطّةِ قطارِ الحَياة. وما لها أنْ تفعلَ غيرَ مواصلةِ الانتِظار ؟

فكّرتْ ملِيا، مُطولا.. فإذا بها تصرخُ قائلةً، بدموعٍ تبرقُ كلّما تقابلتْ معَ ضوءِ القمر:

حلوى.. حلوى بنصْفِ الثّمنِ أصبحَتْ.. فقطْ خذوها منّي أبعِدوها عنّي ودَعوني أسْتريح.

مع ذلكَ لم يتوقّفْ أحد.. انصهرَ حِذاءها الممزقُ مع الأرضيةِ المرصعةِ بدموعِها، لتستسلِم للعَياء.. استلقتْ قليلا، ثم باغَتها النومُ. وقبلَ أن تدرِكَ دقتْ عقاربُ الساعةِ منذرةً بقربِ منتصفِ اللّيل. استفاقتْ متهالكةً، وفي يدِها قطعةُ حَلوى ذَكرتْها بسوءِ الحال. وبدونِ وعْي رمتْها بعيدا بأقْصى قوّتها. آملةً أن ترمِي الذكرياتِ معَها أيضا. ثمّ سعَت تنْحو ببطءٍ شديدٍ نحوَ الموت ! فبَعدما كانَ يسيرُ هُو باتّجاهها، يطلبُ وُدّها ويتعاطفُ معها. أصبحتْ هي التي تتوقُ للارتماءِ بحضْنه. وقبلَ أنْ تصلَ إليْه اقشعَر بدنُها بلمسةِ أملٍ حطّت الرحالَ في كتِفها.. استَدارت المسكينةُ مفجوعةً، لتجِدَ رجُلا يبتسم إليها. وأخيرا توقف أحد ما

وأخيرا زبونٌ سيشْتري مِني قطعةَ حَلوى.

وها هيَ الحياةُ كَكل مَرة تصفعُها، لتذيقَها من كأسِ المرارةِ ما يكبرُ سنّها. نطقَ الرجُل مقاطِعا أحلامَها الورديةَ قائلا

تفضّلي لقد وجدتُ هاتِه الحلوى منذُ قليل، ولمْ أعرفْ صاحِبها.  لكنّي بعدما لمحتُك أيقنتُ أنّها سقطتْ منك

ودّ الرجلُ لو تحدثَ أكثَر، إلا أنها قاطعتهُ مخبرةً إيّاه بضرورةِ الاحتفاظِ بها. نَظرا لحسنِ صَنيعه. أرادتِ التخَلص منها بأيّ وسيلةٍ، في حين حالَ الرجلُ دون ذلك، بعدما رفضَ أخذَها ثم انصرف.

هاته المرّة أدركتْ بائعةُ الحَلوى، أنّ قدَرها مريرٌ على عكسِ طعمِ ما تبيعُه. أرادتْ باستماتةٍ تغييرَ طعمِ المرارَةِ في فمِها. لتقرر الاستفادةَ من القطعةِ، التي أبتْ خيانتَها على عكسِ الكُل.. وبعدَما حققتْ ذلك رفعتْ رأسَها عاليا.. صرختْ بأقصى قدرةٍ لديها:

حلوى مجانية أصبَحت.. مجانية أصبحت، ثم أجهشَت بالبكاءِ. وقبلَ أن تدركَ اجتمعَ  الكلُ حولها هاتِه المرّة. لكِن لا لشيءٍ سوى رؤيةِ جثةِ فتاةٍ اختنقتْ بفعلِ قطعةِ حَلوى.