
حين يصبح الإصلاح ستارًا لامتيازات الحرب وإقصاء الآخرين
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*مرة أخرى يحاول الزميل هجو أحمد محمد أن يقدم القضية وكأنها معركة بين (أنصار الإصلاح) و(أعداء الإصلاح)، بينما الحقيقة أبعد من هذا التبسيط المخل.. فالقضية التي أثارها العاملون والمتابعون ليست رفضًا للإصلاح، وإنما رفضا لتحويل شعار الإصلاح إلى أداة لتبرير اختلالات خطيرة نشأت داخل مؤسسات الدولة خلال الحرب، وعلى رأسها الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون.
*من المؤسف أن يصر البعض على تجاهل جوهر المشكلة، ثم يهرب إلى اتهام الآخرين( بالعاطفة) أو (الشخصنة) أو( العجز) عن مناقشة الأفكار، بينما الوقائع على الأرض أكثر وضوحًا من أي تنظير.. فحين نتحدث عن الوظائف الآمنة لا نتحدث عن خيال أو أوهام، بل عن واقع تشكل خلال ظروف الحرب، حين انتقلت بعض المؤسسات إلى بورتسودان وعطبرة، فوجدت مجموعات محددة نفسها في مواقع النفوذ والقرار والامتيازات، ثم تحولت هذه المواقع الاستثنائية تدريجيًا إلى حالة شبه دائمة، وكأن الحرب منحت أصحابها حقًا حصريًا في الإدارة والعمل والتمثيل.
*لقد كان من الطبيعي أن يسهم (العاملون) في استمرار البث الإذاعي والتلفزيوني في ظل الظروف الاستثنائية، وهذا جهد وطني مقدر لا ينكره أحد.. لكن ما ليس طبيعيًا أن تتحول مساهمة ظرفية فرضتها الحرب إلى واقع احتكاري يُقصى فيه الآخرون، ويُغلق الباب أمام مئات الزملاء الذين مُنعوا من أداء أدوارهم، لا لقصور مهني أو قانوني، وإنما لأن مجموعات بعينها بدأت تتعامل مع المؤسسة وكأنها ملكية خاصة.
*وهنا تحديدًا تكمن الأزمة التي يحاول البعض القفز فوقها.. فقبل الحديث عن (الترهل الوظيفي) وعن تقليص العاملين، كان الأولى أن تُطرح أسئلة أكثر إلحاحًا: من الذي حصل على الامتيازات خلال سنوات الحرب؟ ومن الذي استفاد من السكن والمخصصات والبدلات والحوافز..ومن الذي ظل يجدد له العمل رغم وصوله سن المعاش؟ ومن الذي يعمل أصلًا خارج إطار الخدمة العامة ثم يمارس سلطات فعلية داخل المؤسسة؟ ومن الذي أُغلقت أمامه الأبواب فقط لأنه لا ينتمي إلى الدائرة المسيطرة على القرار؟.
*هذه ليست اتهامات مجانية ولا هواجس متوهمة كما يحاول الزميل هجو تصويرها، بل حقائق يعرفها العاملون أنفسهم، ويعرفون كيف نشأت (طبقة جديدة) داخل المؤسسات، تتحدث اليوم باسم الوطنية والإصلاح بينما تتمتع بواقع استثنائي لم يُتح لغيرها.
*لقد حاول الكاتب أن يجعل من مؤتمر بورتسودان للخدمة العامة مرجعية فوق النقد، مستندًا إلى عدد المشاركين والخبراء والأوراق العلمية والتوصيات، وكأن مجرد انعقاد مؤتمر يعني أن مخرجاته أصبحت مقدسة أو واجبة التنفيذ دون نقاش.. والحقيقة أن احترام العلماء والخبراء لا يعني تعطيل حق الناس في مساءلة آليات التنفيذ ومخاطر التطبيق، خاصة حين يتعلق الأمر بمصائر آلاف الأسر السودانية في ظرف اقتصادي واجتماعي بالغ القسوة.
*لا أحد يعترض على دراسة واقع الخدمة المدنية أو مراجعة اختلالاتها أو تطويرها، بل هذا أمر مطلوب منذ سنوات.. لكن السؤال الحقيقي: هل يبدأ الإصلاح من الحلقة الأضعف دائمًا؟ وهل يصبح العامل البسيط هو أول من يدفع الثمن، بينما لا يقترب أحد من شبكات الامتيازات التي نشأت خلال الحرب؟.
*إن الحديث عن العمالة الزائدة يفقد كثيرًا من مصداقيته حين يرى الناس أن هناك من ظلوا يحصلون على امتيازات (ضخمة) و(مضاعفة) في بورتسودان وعطبرة، بينما مئات العاملين الآخرين داخل السودان كانوا يواجهون الحرب والجوع والنزوح وحدهم.
*هناك زملاء عاشوا في أم درمان تحت أصوات المدافع والقصف، وبعضهم كان يعيش على (التكايا) ومبادرات الخير والإسناد الشعبي. هناك من فقدوا مصادر دخلهم بالكامل، ومن ماتوا بالحسرة والمرض بعد سنوات طويلة قضوها في خدمة إلاذاعة والتلفزيون دون أن يجدوا في لحظة المحنة من يسأل عنهم أو يمد لهم يد العون.
*وفي المقابل، كانت مجموعات محددة تتمتع بالسكن والبدلات والحوافز والمخصصات، ثم تأتي اليوم لتحدث الآخرين عن (ضرورة الإصلاح) وكأن العدالة تعني فقط التضحية بالضعفاء.
*إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتخويف العاملين من الإحالة والتسريح، ولا بتقديم اللجان الفنية وكأنها سلطات فوق القانون والمساءلة، بل يبدأ أولًا بإعادة بناء الثقة داخل المؤسسات، ومراجعة كل أشكال التمييز والاحتكار، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
*ولذلك فإن السؤال المشروع ليس: هل نحتاج إلى إصلاح؟ بل: أي إصلاح نريد؟ هل نريد إصلاحًا يعيد للدولة مهنيتها وعدالتها ومؤسسيتها؟ أم إصلاحًا ينتج نخبة جديدة تحتكر المواقع والامتيازات باسم الحرب والضرورة الوطنية؟
*ثم إن الاستناد إلى تصريحات رئيس الوزراء لتأكيد وجود لجنة للإصلاح لا ينفي أبدًا حق الناس في القلق والتساؤل.. فوجود لجنة لا يعني أن كل ما يصدر عنها يجب أن يُنفذ بلا مراجعة أو اعتراض، خاصة في ظل تجارب سابقة دفعت فيها الخدمة المدنية أثمانًا باهظة نتيجة قرارات متعجلة ومسيّسة.
*إن التجربة السودانية نفسها علمتنا أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة هو تحويل الشعارات الكبيرة إلى أدوات للإقصاء. فقد رفعت جهات كثيرة من قبل شعارات (التطهير) و (التمكين) و(الإصلاح) ‘ثم انتهى الأمر إلى ظلم واسع وتشريد وفوضى إدارية ما تزال البلاد تدفع ثمنها حتى اليوم.
*ولهذا فإن الدفاع عن العدالة والشفافية ليس تعطيلًا للإصلاح، بل هو جوهر الإصلاح نفسه ولننظر بصدق وتجرد إلى واقع الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، بوصفها نموذجًا حيًا لهذه المفارقة المؤلمة. ففي الوقت الذي حصلت فيه مجموعات محددة في عطبرة وبورتسودان على امتيازات مالية وسكنية وبدلات ومخصصات استثنائية فرضتها ظروف الحرب ثم تحولت مع الوقت إلى واقع دائم، ما يزال مئات العاملين الآخرين يواجهون أوضاعًا إنسانية قاسية وهم يستقبلون عيد الأضحى المبارك بين النزوح والفقر والمرض، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، ولا يملكون سوى الصبر والدعاء. ولو أُجريت مراجعة مالية شفافة لحجم الأموال والامتيازات التي صُرفت خلال هذه الفترة، لاكتشف الجميع أن جزءًا كبيرًا منها كان يمكن أن يوفر الحد الأدنى من الحياة الكريمة للعاملين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة المؤسسة ثم تُركوا وحدهم في مواجهة الحرب والجوع والحاجة. ولذلك فإن أي حديث عن الإصلاح سيفقد معناه الأخلاقي والإنساني ما لم يبدأ أولًا من مراجعة هذه الاختلالات، وإعادة الاعتبار للعدالة في توزيع الحقوق والموارد، واحترام كرامة العامل السوداني الذي ظل يدفع وحده ثمن كل الأزمات.