آخر الأخبار

اقتراب نهاية أكذوبة اسمها الدعم السريع

 

عمرو خان

*ظهر الدعم السريع في السودان باعتباره قوة مسلحة ذات طابع خاص، جرى توظيفها في بداياتها ضمن ترتيبات أمنية معقدة فرضتها طبيعة الصراعات المسلحة في بعض الأقاليم السودانية، خاصة في دارفور.. ومع مرور السنوات، توسعت هذه القوة بصورة لافتة، سواء من حيث التسليح أو الانتشار أو الموارد الاقتصادية، حتى تحولت تدريجيًا من مجرد قوة مساندة إلى كيان يسعى لامتلاك نفوذ سياسي وعسكري مستقل داخل الدولة السودانية.

*وقد ساعدت ظروف الاضطراب السياسي التي عاشها السودان بعد عام 2019 في تضخم نفوذ الدعم السريع، حيث استفاد من حالة السيولة الأمنية والانقسامات السياسية ليعزز حضوره داخل مؤسسات الدولة ومفاصل الاقتصاد، معتمداً على شبكة واسعة من التحالفات والمصالح العابرة للحدود.

*لكن هذا الصعود السريع حمل في داخله بذور الصدام، لأن وجود قوة عسكرية ضخمة خارج البنية التقليدية للقوات المسلحة السودانية كان كفيلًا بإنتاج تناقضات خطيرة تهدد فكرة الدولة نفسها.

*الطموح إلى السلطة والسيطرة: مع تزايد النفوذ، بدأت ملامح مشروع سياسي وعسكري أكبر تتشكل داخل قيادة الدعم السريع. فلم يعد الأمر مرتبطًا فقط بالمشاركة في المشهد الأمني، بل تحول إلى سعي واضح للهيمنة على القرار السياسي والعسكري في السودان.

*وخلال تلك المرحلة، ظهرت مؤشرات عديدة على رغبة المليشيا في إعادة تشكيل موازين القوة داخل الدولة، مستفيدة من الانقسامات المدنية والصراعات السياسية، إضافة إلى توظيف الخطاب الإعلامي والدعاية السياسية لتقديم نفسها كبديل قادر على حكم السودان أو فرض معادلة جديدة فيه.

*غير أن هذا الطموح اصطدم بحقيقة تاريخية وثابتة في السودان، وهي أن القوات المسلحة السودانية ظلت تمثل المؤسسة الوطنية الأكثر رسوخًا وتأثيرًا، وصاحبة الامتداد الشعبي والتاريخي في وجدان الدولة السودانية.

*المنافسة مع الجيش ورفض الاندماج: مع تصاعد التوترات، برز ملف دمج الدعم السريع داخل القوات المسلحة السودانية باعتباره أحد أكثر القضايا حساسية في المشهد السوداني. ففي الوقت الذي كانت فيه قطاعات واسعة ترى أن بناء جيش وطني موحد يمثل ضرورة لحماية الدولة، أبدت قيادة الدعم السريع رفضًا واضحًا لفكرة الاندماج الكامل تحت قيادة الجيش السوداني.

*هذا الرفض كشف عن جوهر الأزمة الحقيقية؛ إذ لم يكن الخلاف تقنيًا أو إداريًا فقط، بل كان صراعًا على من يمتلك القوة العسكرية الأولى في السودان.. فالمليشيا كانت تدرك أن الاندماج الكامل يعني فقدان استقلاليتها ونفوذها الاقتصادي والعسكري، بينما كانت الدولة ترى أن استمرار وجود جيشين يعني فتح الباب أمام انهيار مؤسسات البلاد.

*ومع تعقد المشهد، بدأت لغة التصعيد تحل محل التفاهمات السياسية، لتدخل البلاد تدريجيًا في واحدة من أخطر مراحل تاريخها الحديث.

*التعاون مع قوى خارجية وتمرد أبريل 2026 :مع اندلاع تمرد أبريل 2026، ظهرت اتهامات واسعة للدعم السريع بالتعاون مع قوى خارجية معادية للسودان، سواء عبر الدعم اللوجستي أو السياسي أو الإعلامي، في محاولة لإضعاف الدولة السودانية وإرباك مؤسساتها العسكرية والأمنية.

*ورأى كثير من المراقبين أن التمرد لم يكن مجرد تحرك داخلي معزول، بل جاء ضمن ترتيبات إقليمية ودولية معقدة استهدفت السودان في لحظة هشاشة سياسية وأمنية غير مسبوقة. وقد ساهمت هذه التحالفات في توفير قدرات كبيرة للمليشيا خلال المراحل الأولى من الحرب، سواء من حيث التسليح أو المعلومات أو الدعم الدعائي.

*لكن في المقابل، أدى ذلك إلى تعميق حالة الغضب الشعبي تجاه الدعم السريع، بعدما ترسخت قناعة لدى قطاعات واسعة من السودانيين بأن المليشيا باتت تمثل تهديدًا مباشرًا لوحدة الدولة وسيادتها الوطنية.

*السيطرة على العاصمة وحرب الشوارع: في بداية الحرب، تمكن الدعم السريع من تحقيق تقدم سريع ومفاجئ، مستفيدًا من عنصر المباغتة والانتشار داخل الأحياء السكنية والمناطق الحيوية في العاصمة الخرطوم وعدد من الولايات الاستراتيجية ودخل السودان مرحلة قاسية من حرب الشوارع، حيث تحولت المدن إلى ساحات اشتباكات دامية، وسط اتهامات واسعة للمليشيا باستخدام المدنيين كدروع بشرية، والتمركز داخل المنازل والمرافق العامة والمؤسسات المدنية.

*وخلال تلك الفترة، عاش ملايين السودانيين أوضاعًا إنسانية كارثية، مع انهيار الخدمات الأساسية وتوقف قطاعات واسعة من الدولة، إضافة إلى موجات النزوح واللجوء التي ضربت عدة مناطق في البلاد.

*كما حاولت المليشيا استثمار سيطرتها الميدانية في فرض واقع سياسي جديد، عبر حملات إعلامية مكثفة هدفت إلى إظهار نفسها باعتبارها القوة المسيطرة والقادرة على فرض شروطها.

*عودة السيادة السودانية وانتصارات الجيش: لكن المشهد بدأ يتغير تدريجيًا مع إعادة تنظيم القوات المسلحة السودانية لصفوفها، واعتمادها على استراتيجيات قتالية طويلة النفس، مدعومة بحالة تعبئة وطنية وشعبية واسعة.

*وخاض الجيش السوداني معارك وصفت بأنها من أكثر المعارك دموية وتعقيدًا في تاريخ السودان الحديث، تمكن خلالها من استعادة مساحات واسعة من الأراضي والمدن، وصولًا إلى تحرير أجزاء كبيرة من العاصمة الخرطوم ومناطق استراتيجية أخرى.

*ولعب الجنود السودانيون دورًا محوريًا في هذه التحولات، حيث تحولت المعارك إلى رمز لاستعادة السيادة الوطنية، وسط حالة التفاف شعبي متزايدة حول القوات المسلحة باعتبارها المؤسسة الضامنة لوحدة السودان.

*ومع كل تقدم ميداني، بدأت صورة الدعم السريع تتآكل أكثر، خاصة مع انكشاف حجم الانتهاكات والدمار الذي خلفته الحرب في المدن السودانية.

الانهيار والانشقاقات.. بداية النهاية: اليوم، تبدو المليشيا أمام مرحلة مختلفة تمامًا عن بدايات الحرب. فبعد شهور طويلة من القتال والاستنزاف، بدأت موجات الانهيار تتصاعد داخل صفوف الدعم السريع بصورة متلاحقة.

*وباتت أخبار الانشقاقات والصراعات الداخلية تتكرر بشكل شبه يومي، سواء على مستوى القيادات الفردية أو المجموعات المسلحة المرتبطة بالمليشيا.. كما ظهرت خلافات حادة حول النفوذ والموارد وقيادة العمليات العسكرية، في وقت تراجعت فيه القدرة على الحفاظ على السيطرة الميدانية في عدة مناطق.

*وتؤكد هذه التطورات حقيقة تاريخية معروفة، وهي أن الجماعات المسلحة التي تقوم على التحالفات المؤقتة والمصالح الضيقة غالبًا ما تتفكك عند أول اختبار طويل الأمد، خاصة عندما تخسر الغطاء الشعبي والسياسي.

*وفي المقابل، يواصل السودان معركته لاستعادة مؤسساته وإعادة بناء الدولة بعد واحدة من أكثر الحروب قسوة في تاريخه المعاصر. وبينما تتراجع “أكذوبة الدعم السريع” تدريجيًا، يبقى السؤال الأكبر متعلقًا بكيفية بناء مستقبل سوداني جديد يتجاوز آثار الحرب والانقسام، ويعيد للدولة هيبتها ولمؤسساتها وحدتها واستقرارها.

*كاتب صحفي مصري