آخر الأخبار

وفاء يشبه هلاوي حقاً

بُعْدٌ .. و .. مسَافَة

مصطفى ابوالعزائم

 

*بالأمس تلقيت محادثة هاتفية من أخي وصديقي الحبيب الشاعر المرهف الأستاذ عبدالوهاب هلاوي، كان يتحدث إلي بصوت مخنوق، حتى أنني توجست من أن يكون هناك ما وقع وفجر مكامن الأحزان لدى الأخ الشفيف عبدالوهاب هلاوي، لكنني عرفت بعد قليل ما لم يكن خافياً علي أصلاً، من وفاء نادر يحمله هلاوي لكل من هم حوله من أصدقاء ومعارف ، فقد طلب الي أن أكون جاهزاً خلال أيام للمشاركة في ليلة لإحياء ذكرى صديقنا المشترك العزيز صاحب (العزيزة) الشاعر والدرامي والصحفي الراحل الأستاذ سعد الدين إبراهيم – رحمه الله – لم استطع الرد سريعاً، فقد انتبهت إلى أن عشر سنوات مرت منذ أن رحل عن دنيانا الأخ والصديق المبدع الشاعر والكاتب الدرامي القاص الأستاذ سعد الدين ابراهيم ، الذي توفى في الثاني عشر من مايو عام 2016م، فهاجت الذكرى، وتسابقت الذكريات إلى واقع أليم نعيشه الآن في ظل حرب لعينة.

*صديقنا سعد الدين لم يزل مقعده شاغراً في دنيا الإبداع، ولم أجد أفضل من مقال كتبته عن أخي وصديقي العزيز سعدالدين من قبل، إذ سبق أن إتصل عليّ أحد أبنائنا من إعلاميينا الشباب، وقال أنه يعد لسلسة من الحلقات الإذاعية الخاصة عن حبيبنا وصديقنا وزميلنا الأخ الكريم الراحل الأستاذ سعد الدين إبراهيم، وأنه يريد مني بعض الإفادات حول الأستاذ سعد الدين، على إعتبار أننا اصدقاء منذ عهود الصبا الأولى.

*قلت لإبننا الشاب المجتهد، إن صديقنا سعدالدين توفى في مايو من العام 2016 م، في شهر صيف ساخن يرحل فيه الكثيرون لحكمة يعلمها الله، وقد مات سعد الدين إبراهيم فجأة، رحل هكذا مع أنوار الفجر الأولى، وكان الرحيل مزلزلاً ليس لأركان منزله في أقاصى حلفاية الملوك، بل كان مزلزلاً لوجدان أمة الثقافة والآداب والفنون في بلادنا.

*رحل الأخ والصديق والزميل الأستاذ سعد الدين إبراهيم وهو يحمل لافتته الأشهر (النشوف آخرتا) وهي إسم أو عنوان مقاله اليومي الذي كان ينشره في الصحف، وكان رحمه الله يعلم ونحن نعلم أن (آخرتها كوم تراب).. هذه هي الدنيا الغرارة الغدارة، الخداعة المكارة، المعطيةُ المنُوع الملبسة النزوع، التي لا يدوم رخاؤها ولا ينقضي عناؤها، لكنها لم تغر صديقنا العزيز صاحب (العزيزة)، فقد عاش إنساناً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ، ومات كذلك، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق بين الناس، ويزاحم في حافلات العربي، يمازح هذا ويضاحك ذاك، وعاش داخل (الحيشان الثلاثة) صديقاً للجميع، وتراه مع أهل الدراما فتتأكد أن ذلك هو عالمه، وتراه مع أهل الموسيقى والغناء فلا ينتابك أدنى شك في إنتمائه إليهم، وتراه وسط الشعراء فلا تعتريك الريبة قط في أنه زهرة بستانهم النضير .. وأما في عالم الصحافة، فقد كانت له لونيته وتميّزه ونكهة مداده الخاصة، وصوره التي لا تنطلق إلا من خيال فنان.

*رحم الله الأخ والصديق العزيز الذي تعود علاقتي به إلى أيام الصبا الأولى ، وإن كان يتقدّمنا قليلاً، لكننا كنا (أصحاب)، عرّفني عليه صديقنا المشترك إبن رفاعة الأصيل الأخ الرشيد الجزولي حاج عمر- رحمه الله  و.. (من ديك) قويت العلاقة وتمتّنت ، وكلما تقدم بنا العمر كانت علاقتنا تقوى، وليس للمرء في هذه الدنيا إلا إخوانه وخلانه .. وتوسّعت دائرة الصداقة لتشمل صديقنا المبدع الذي رحل في باكورة الصبا (سامي يوسف) وتضم الأساتذة (محمد نجيب محمد علي) و(مختار دفع الله) و(عبد الوهاب هلاوي) و(شكر الله خلف الله) و(عبد القادر الكتيابي) وأسماء.. وأسماء.. وأسماء.

*كنا نعرف أهواء بعضنا البعض، نأكل العصيد وننشد القصيد، وأنشأنا من أجل ذلك المنتديات الأدبية وصوالين الشعر والسمع النظيف، مع نجوم زاهرة كان من بينها الأساتذة الكبار حسن الزبيروالتجاني حاج موسى وأبو قرون عبدالله أبو قرون والراحل زين العابدين أحمد محمد وعبد الله البعيو- رحمهم الله – وسيف الجامعة وحسين شندي ومحمد ميرغني والماحي سليمان وحسين خوجلي وفتحي الملك وإحتفى بنا الكبار في ذلك الزمان بدءاً من (محمد بشير عتيق) مروراً بـ(خالد أبو الروس) وعبيد الطيب ومبارك المغربي رحمهم الله تعالى.

*وكان سعد الدين يحرّضني على نشر الشعر فأدّعي أن الشعر سيسجنني في أقفاص الكلام والمفردات الشعرية، ويسدّ علي الطريق الذي إخترت أن أسير فيه، وهو العمل في الصحافة، فكانت تتقمّصه روح المعلم والأستاذ ليقدم النصح والإرشاد ليقول إن هذا لن يضر، بل ينفع .. ولم أعمل بنصيحته تلك، وعرفه الناس شاعراً ومؤلفاً درامياً ومعلماً وقاصاً وصحفياً، عرفوه كتلة ملتهبة من المواهب .. فأضاء في كل درب سلكه.

*لم أشارك أحداً في كتابة قصيدة واحدة ، إلا أخي وصديقي سعد الدين وذلك عند وفاة أستاذ الأساتذة الجهبز الرقم أحد أعظم شعراء الأغنية السودانية أستاذنا حسن الزبير، وقد فجعنا بموته آنذاك مثلما فجعنا بموت سعد الدين من بعده لاحقاً، كنت أكتب المطلع فيكمل سعد الدين الذي يليه.. وهكذا، لكنني طلبت إليه أن يجعل إسم شريكه في تلك القصيدة سراً، فكان يحتج وأتشدد، وإن كنت الآن لا أذكر منها إلا مفردات دامعة منها:

انكسر مرق الكلام

وطارت حروف الريدة ..حرف.. حرف.. أو هكذا كانت..وقد تم نشر تلك المرثية الدامعة في أخيرة الغراء  أخبار اليوم.

*رحم الله (سعداً) وغفر له وعفا عنه وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.. وجعل البركة في إبنيه (محمد) و(إبراهيم) وشقيقاتهما، وفي رفيقة دربه زوجه المصون وألهمهم وآله وأصحابه وجيرانه وإخوانه الصبر والسلوان.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.. (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)

وهذه رسالة في بريد لن يقرأها المرسل إليه:

أخي سعد الدين.. قبل أشهر قليلة مضى شهر رمضان المعظم .. ولا زالت الذاكرة تضج بالصور المبهرة ، وحيوية أيامٍ نضرة ، لم نفترق خلالها طوال ثلاثين يوماً .. عندما كلّفنا تلفزيون السودان ذات شهر مبارك مضى، ممثلاً في الأخ والصديق العزيز الجنرال الأستاذ حسن فضل المولى بإعداد ثلاثين حلقة رمضانية تبث على الهواء مباشرة بإسم (صالون رمضان) أبدع في تقديمه صديقنا العزيز الأثير السفير الأستاذ علي مهدي، نجحنا خلالها في إستضافة كل الفئات والشرائح التي إتصلنا عليها، وقدمنا آخر حلقة لتكون أطول حلقة برنامج في تاريخ التلفزيون إمتد زمن بثها من بعد الإفطار، إلى نهاية الإرسال حيث لم يوقف البث إلا النشرات.

*مضى الأخ الكريم سعد الدين إبراهيم  لكننا لا نجزع ولا نخشى عليه، لأنه بين يدي غفور رحيم عظيم حليم.

*التحية للخل الوفي الأستاذ عبدالوهاب هلاوي ، وللجهة التي تحتفي بذكرى سعد الدين في الأيام القادمة وهي (عزة بوكشوب)وربان الاحتفاء الأستاذ عصام سالم.